يشكِّل الاستقرار الأمني المنبثق من الاستقرار السياسي الهاجس الأول للحكومات وينطوي تحقيق هذا الاستقرار على عدة عوامل سواء ما يتعلق منها بالعلاقات الخارجية وتجسيد الصيغة التفاعلية اللائقة للتعامل من احترام متبادل وعدم التدخل بالشؤون الداخلية،او من خلال العلاقات الداخلية بالحوار والتفاهم والتوافق السياسي بين الكتل السياسية اعتمادا على محور البناء لا الهدم .
وفي كل هذا فان البناء هو الهدف ويجب ان يكون معززاً بالرؤى المتزنة لأن الشك يولد الحيرة والحيرة تسهم في بطء التنفيذ وهكذا يتسرب الإحباط وآثاره السلبية السيئة، ليتخم النفوس بتبلد الإحساس من جهة وهيمنة النظرة السوداوية القاتمة من جهة أخرى.
وعلى الصعيد نفسه فإني هنا لا ألغي دور النقد الهادف البناء، بل إن الحال لن يستقيم ما لم يمس التصور تحت المجهر ومحاربة الفساد بكل أشكاله، وهنا يكمن دور الدولة في كسب ثقة مواطنيها بتفعيل جهود الإصلاح الرامية إلى اجتثاث الفساد، وحماية الحقوق، قبل أي شي آخر فالتكامل في نهاية المطاف يصب في مسار الوحدة الوطنية لا سيما ونحن نعيش ضمن الدائرة الدولية حيث الاحتكاك الحتمي مع الآخرين، بالرغم مما يغشى هذا الاحتكاك من آثار سلبية بالإمكان تجنبها متى ما ساقت الحكمة النموذج الأمثل إزاءها المتمثل في الانضواء تحت لواء (الوطن الكبير) بكل ما يجسِّده من التفاف ومحبة وإخاء نحوتحقيق الأهداف، تعززها النوايا الحسنة بصدق الانتماء ومسؤولية المشاركة الفاعلة بعيداً عن مطرقة التشكيك والتي ما برحت تنخر في العقول الصدئة وتقلص الفارق بين ما يتحتم الإحاطة بأبعاده وانتفاء استيعاب الأولويات بشكل متأنٍ، إمعاناً في تأصيل الرفض كنواة تشق الصف، مما ينعكس سلباً على الأفراد والمجتمعات، لذلك فان أن عصب الوحدة الوطنية يكمن في رص الصفوف، وأحد المرتكزات الرئيسة المجسّدة لعمق الارتباط حسن الظن، وإذا تسنم الشخص مركزاً وولي شأن وإدارة أفراد بالعشرات فإنه يشعر بثقل المسؤولية وعظم الأمانة فيحمل هذا الهم، فما بالكم بمن في ذمتهم رقاب الملايين من البشر وهم مسؤولون عن تأمينهم وإطعامهم، وتعليمهم، ومعالجتهم، ودرء الأخطار عنهم، لست هنا في مجال التبرير ولا أزكي على الله أحداً، لكني أحسن النية وأثقل النطق حينما يكون في إطلاقه حكماً على أحد، فضلاً عن عامل الاحترام لمن تولوا شؤون الناس كما أمر ربنا تبارك وتعالى بطاعتهم، بعيداً عن أساليب التأليب الممجوجة التي تهدم ولا تخدم، فالخير يكمن في قوله والصمت عن قول ما عداه، يندرج في نطاق الاتزان، فإذا كانت الوحدة الوطنية العراقية هدف الكبير والصغير ليس في تجسيد الاستقرار وترجمته على أرض الواقع أمناً وارفاً، \ينعم به الناس فحسب بل إنه مؤشر لاتساع الوعي والانضمام لقافلة الإصلاح ووقود هذه القافلة بلا ريب الحس الوطني الصادق الداعم لهذا التوجه، فإذا نثرت الشكوك أشرعتها وباتت تسيطر على الأذهان طبقاً لسوء الظن، فإنها حتماً ستعوق حركة القافلة، إن لم تتسبب في إيقافها، وأياً كانت البرامج الإصلاحية الانتخابية التي نراها الان فإنها حتماً لن تؤتي أكلها بمعزل من تضافر الجهود في هذا المضمار، وأن تصبح النوايا الحسنة هي المحرك الفاعل لتفعيل هذا التوجه سرباً واحداً يداً بيد.