تسعى أغلب الشعوب والدول والحكومات بعد ان تترض لازمات ان تعيد ترتيب بيتها بما يتوائم واحتاجاتها واولوياتها، لكن العراق كما يبدو هو البلد الوحيد الذي لم يستفيد الحاكمون فيه من دروس ما تعرضت له الدول والحكومات على مر التاريخ من حالات تأزم وتناحر وفرقة مثلما يشهده العراق اليوم.
وقد تمنى الكثير من العراقيين ان يعود الوئام والسلام والامن والاستقرار الى ربوع العراق بعد ان ينسحب الاميركان ،ويحزم العراقيون أمرهم جميعا لتولي زمام المبادرة ليقوموا بحماية بلادهم اعتمادا على قواتهم العسكرية التي اعلنت جاهزيتها لاستلام المهمة ، لكن ما اتخذ من اجراءات غير محسوبة العواقب قبيل الانسحاب الاميركي ، فسرها العراقيون على انها نذير حرب طائفية جديدة قد تندلع اوارها من جديد بعد حملة اعتقالات وتهديدات اربكت العملية السياسية واصابتها بشلل شبه تام، اظهرت عجز الحكومة عن ادارة البلاد قبل ان يغادر آخر جندي اميركي أرض بلادهم.
ويرى بعض المراقبين ان الطامة الكبرى كانت يوم اضطرت بعض المحافظات للاعلان عن تشكيل اقاليم بعد ان تأكد لها فعلا وقولا ان الاجراءات التي تنوي الحكومة اتخاذها لاتبشر بخير، وانها عادت الى منهج الاقصاء والتهميش والعزل بل والتهجير لالاف العراقيين قسرا من وطنهم وتعريض حياة عوائلهم لخطر محدق ، في اجراء غريب من نوعه ليس له ما يبرره على الاطلاق، وان المخاوف التي اعنتها الحكومة كانت تحت تاثير تسريبات دعائية لم تدرك حجم اهدافها ، فتسرعت باتخاذ اجراءات كانت مخططة لها من جهات اقليمية للوصول بالبلاد مجددا الى حافة الحرب الاهلية التي لاتبقي للعراقيين هذه المرة لهم نصيبا في هذا الوطن ، فأشتاط العراقيون من شمالهم الى جنوبهم ومن غربهم الى شرقهم لاجراءات ما انزل الله بها من سلطان هددت السلم الاهلي وعرضت حياة ملايين العراقيين لخطر كارثي يهدد بانفلات عقد التعايش السلمي ويضع العراق مجددا على اعتاب اخطر مرحلة قاسية في تاريخه ، ما كان لها ان تحدث لو اظهرت الحكومة قدرا من الضبط والصبر والتحسب الامني المقتدر والواعي وبلا تخبطات عشوائية كتلك التي تم اتخاذها ، وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير كما يقال، وهددت السلم الاهلي وعرضته لمحاطر لاتحمد عقباها.
ويقول محللون مهتمون بالشأن العراقي أنه لو كانت الحكومة حريصة على ان تمسك بالاوضاع عقب الانسحاب لانفتحت اكثر على العراقيين لا ان تنغلق عليهم ، وتوقع الكثيرون ان تفتح الحكومة صدرها لمن ناصبتهم العداء او وضعتهم في دائرة الاتهام غير المبررة وهم ابناء شعبها ولن يكونوا اداة ضدها لو احسنت التعامل معهم ووفرت لهم ظروف عيش آمنة ، لكنه القدر الاغبر الذي جعل جهات اقليمية تورط الحكومة في عمليات تضليل وخداع حتى اوقعتها في مطبات ما كادت ان توقع نفسها في مهالك كهذه لو تعاملت على انها دولة تحترم مشاعر واحاسيس كل العراقيين وستكون قلبا مفتوحا لكل من يريد بناء العراق لا ان تستبق خطواتها باجراءات انتقامية غريبة اضطرت محافظات تحت الضغط الشعبي الى طلب الاقاليم تجنبا لما قد يحدث من مفاجئات ربما اكثر سوءا واكثر ضراوة وأكثر اهوالا مما جرى ، حتى راحت نيران الحرب الطائفية تستعر من جديد تحت الرماد ليوقضها من لم يتحسب ولم يتخذ الاجراءات السليمة الهادئة المتزنة حتى اوقع نفسه في مطبات كان في غنى عنها ، وكان يمكن ان يكسب قطاعات كبيرة او احسن التعامل معها وكسب ولاءها بدل ان يحولها الى ( اعداء ) نتيجة اجراءات غير مسبوقة ، ربما تؤدي الى انفراط عقد التعايش السلمي ، خاصة وان العراق مقبل على مرحلة غاية في التعقيد لايعلم ماستؤول اليه مصير الاوضاع في هذا البلد الى مجهول قد يكون كارثيا هذه المرة.