في أحد البرامج الثقافيّة الحواريّة والذي يعرض من إحدى شاشات الفضائيات العراقية , تتكرر لازمة في التايتل من أحد شعراء العمود يقول فيها لأحد شعراء قصيدة النثر , أنتم جميعا متأثّرون بمحمد الماغوط , ورغم ذلك فأنكم لم تصلوه في أفضل نماذجكم !!
وفي هذا الرأي المنفعل القاسي الكثير من المغالطات منها العلميّة المحضة , ومنها الفني والثقافي - النقدي , وعلى الرغم من اعتزازي الكبير بصديقي الشاعر المبدع المتفرّد في رقي تجربته الشعرية والذي أطلق هذا الرأي , وعلى الرغم من طول قامة الشاعر الفذ محمد الماغوط , إلا ان القضيّة لا تؤخذ بهذا الشكل من التشخيص والقياس , وإذا سلكنا الجانب المعياري في النقد والتقويم الأدبي , وهذا أضعف جوانب القراءة وأقلّها إبداعا فإننا سنصطدم بالكثير من المعوّقات , لذلك لا يأتي قياس التجربة على منجز سابق متحقق له حضوره الخاص وإلا ستكون العملية الشعريّة برمّتها متوقفة أمام شاخص كبير هو المتنبي , فهل من المعقول أن أقيس تجربة شعراء اليوم على أساس قربهم أو تجاوزهم للمتنبي ؟
وإذا جاز لنا ذلك , فكيف تكون قراءة المعادلة ومن يحدد المسافة ؟ وأسئلة أخرى عديدة تنطلق من هذا الفهم الغريب للعمليّة الشعريّة , ثم ما هذه الرؤية المتشنجة إزاء قصيدة النثر وتجربتها التي أخذت بعدا فنيا وسوقيا عميقا لا يمكن لأيّ شاعر أو ناقد أو عالم أن يشطب عليها بهذه الطريقة التي تنم عن إطلاق لا يناسب وعينا وما وصلنا اليه من فهم للشعر , ترى هل يدافع شاعر قصيدة النثر الآن عن اختياره وتوجهه , وهل صار لزاما علينا ومع كلّ نصّ نقدمه من هذه التجربة أن نصدر بيانا توضيحيا في سرّ اشتغالنا وطريقة تعاملنا مع النص الشعريّ ؟
نأمل أن نتحاور بشكل أقل انفعالا وتوترا وبفهم تقوده المحبة وقراءة ناضجة لهذه التجربة التي يجعلها البعض هجينة أو متكئة مرة على أدونيس وأخرى على أنسي الحاج وثالثة على محمد الماغوط ورابعة على الشعر الفرنسي وهكذا , ناسين أو متناسين بأن العراق بلد الجذوات الأولى للتجديد وأن قصيدة النثر بدأت مبكرة عندنا , لكنها واجهت مصاعب جمة في نشرها وطباعتها وترويجها لتكون ظاهرة عراقيّة بامتياز لا شك فيه , وإن تأثّر البعض من شعراء هذه التجربة بالنماذج التي أشرت ُ إليها بل سرق البعض منهم مقاطع ونصوصا كاملة حوّروا فيها قليلا , ولكن هؤلاء السرّاق والمتأثرين سرعان ما هدأت أصواتهم وابتعدوا عن الساحة الشعريّة .
لا أريد هنا أن أغور عميقا , فالمكان لا يتسع لهذا الغور والتفصيل , وللقاريء العزيز أن يعود لآرائي وطروحاتي حول هذا الأمر وماهيّة رؤيتي الثقافيّة والفنيّة حول هذه التجربة التي لا يمكن أن تسقط بلحظة توتر على الشاشة وتحت هاجس إغاضة أو استفزاز الآخر , الذي لا أدري حقا من هو المرشوق بشكل مباشر بهذه الجملة , فالشاعر العمودي كان يوجه حديثه لشاعر من شعراء قصيدة النثر حتما وهو الذي جلس قبالته ليشارك في الحوار كما لا أعرف ما هو ردّه , لكنني شبه متأكد من أنه استفز ودافع عن نفسه وعن خياره ولكن ماذا سيقول في دقائق قد تقطع بسبب فاصل لا بد منه ؟
لقد بدأت الأوساط الثقافية عموما الاهتمام بتجربة قصيدة النثر بعد أن كانت تنظر اليها نظرة ريبة وقلق وشك ,. حتى أن في مصر عقد ملتقيان اختصا بشعراء قصيدة النثر كما عقد في البصرة الملتقى التأسيسي لقصيدة النثر, مدينة الفراهيدي والسياب ومحمود الربيكان , كما أن الكثير من شعراء العمود والتفعيلة المتمكنين من تجربتهم ذهبوا بكل ثقلهم ومواهبهم وخبراتهم ليكتبوا قصيدة نثر , فهل تريد أن تشطب جزءا من العالم يا صديقي؟