لم تكن طفولتي وأنا جحش صغير عذبة ومفرحة, لكنها لم تخل من المتعة البرئية, حين كنا نجتمع نحن صغار الحمير في مزبلة الحارة ومستنقعها ونلهو تارة برفس بعضنا البعض واخرى بالهرولة التي لا تشبة الخبب وليست لها علاقة بالركض.
ولا بأس أيامها ان يتحول لعبنا الى عراك حامي الوطيس, تطير معه عين كر متباهي بنفسه أو تكسر قائمة جحش يختال بحموريته أو يمزق كرش احدنا عن طيب خاطر.. ويعم الهرج والمرج ويمتلئ الملعب بالاباء والامهات وجمع غفير من الحمير الفضولي, ولا يفض النزاع الا بتدخل كبير القوم من الحمير الذين يتوسم بهم الحكمة, وينهانا عن تكرار اللعب بالمزبلة والكف عن ايذاء احدنا الاخر.. وما ان تمر أيام قلائل حتى ترانا وقد ذهبنا مرة ثانية لنعيد ما فعلناه سابقا.. ونبدأ التذمر واللوم ولعن القدر وسب الحكومة لانها لم توفر لنا مراكز ترفيهية لنلعب بها بعيدا عن المشاكل وكان مشكلتنا هي قلة الملاعب متجاهلين ان العلة فينا نحن معشر الحمير, لاننا نعرف جيدا ان ما نقدم عليه سيتسبب لنا بالضرر وان ما اخترناه ميدانا للهو هو خيار خاطئ ولكن مع ذلك نصر على معاودة الكرة من دون النظر الى العواقب, ربما لاننا حمير وفي هذا نحن نتشبه ببني البشر كثيراً فهم فقط الذين يمتازون بهذه العلامة الفارقة ويكررون اخطائهم باستمرار وينكوون بالنار مرات ومرات ويعيدون هذا.
حتى كبرت واصبحت حمارا يافعا وتاكد لي ان الحمار يبقى حمارا مهما زاد من تجربته, وان البشر يبقون بشرا وما الفرق بيننا نحن الاثنين او مانشترك به الا امراً واحدا هو اننا في كل مرة نعيد اخطائنا ونتباكى على ما فاتنا لكننا لا نتغير لاننا هكذا حميرا اشبه بالبشر وبشرا اشبه بالحمير.