الخميس 16 ربيع الاول 1433هـ السنة التاسعة 9-2-2012 العدد 2436
جيمس براون العراق، بلد الحضارات والأنبياء.. بلد الطاقات الخلاقة المبدعة .. عانى ما عاناه من العسف والجور ما يعجز عن تحمله أي شعب.. وبقي صابراً محتسباً، ينظر لمستقبله من خلال واقع مؤلم، إنعدمت فيه الرؤية الواضحة وتكالبت عليه قوى الظلام من كل حدبٍ وصوب.. فتأريخ بغداد الحافل بالمآثر والأمجاد، يأبى أن تستكين النفوس على الضيم.. وان محطات التفجر والانعتاق تزخر بداخلهم، ما أن تتوفر لهم فرصة الانطلاق.. فالفجر آتٍ لا محال.. وعزم العراقيون لبناء وطنهم، وما خلفته القدم الهمجية ما يزال قائماً في الاعماق، ينتظر الجو الملائم.. ينتظر رحيل الغزاة.. فبغداد تتربص.. تنتظر لحظة البدء بانطلاقتها الانسانية نحو ذرى المجد والكبرياء.. فازالة غبار الماضي وما علق بها من أدران المحتل قد ترك فيها فرصة التحفز نحو الأمام فالمواطن الذي استطاع أن يشق طريقه وسط كثابين الالم والرماد، وعبر أنهار الدم تمكن من بناء تباشير الديمقراطية التي يريد، بعد أن خاض العديد من تجارب الانتخابات وتمكن من تقويم تجربته ويرسم خطى الفجر الجديد.. فعادت المياه الى مجاريها مع العديد من الاشقاء العرب، وبسط العراق وجوده في محيطه الدولي، نتيجة جهود الغيارى والمخلصين من ابنائه.. رغم الهنات ورغم العصي التي غرسها الكائدون في رحى عجلته.. واستطاع ان يطفئ القسم الاكبر من الديون التي خلفها له النظام السابق.. وصار ينشد البناء والاعمار واعادة صرح الحضارة .. وجاء في البيان الصادر عن مكتب رئيس الوزراء نوري المالكي قوله:” لقد قمنا بمعالجة الوضع الأمني من خلال القضاء على الطائفية التي هي السبب في كل الجرائم التي ارتكبت، وقمنا بوضع القوانين التي لا تفرق بين ابناء الشعب، واعتمدنا الحوار السياسي الوطني لازالة كل ما شهده العراق:. ثم يستطرد البيان:” عندما نتحدث عن البناء والاعمار لنشمل الجوانب السياسية والامنية والاقتصادية والاجتماعية، علينا أن نضع نظاماً سياسياً يقوم على أساس الدستور بعيداً عن الطائفية والعنصرية.”.فالمعادل الموضوعي الذي يطرحه المالكي بهذه المقولة يؤكد عملية الحسم المطلق لمخلفات الماضي البغيض ويوجه عناية السياسيين لما هو كائن يبنون على خطى ما ينبغي أن يكون.. فتكاتف ابناء الشعب الغيارى.. والعزيمة والاصرار الذي ينبغي ان يتزامن مع كل خطوة مستقبلية تخطوها الحكومة باتجاه اعادة الاعمار، سيما وان شهر حزيران على الأبواب.. هذا الشهر الذي ستعود فيه القوات الأميركية لمعسكراتها بعيداً عن الحياة الاجتماعية في الشارع العراقي.. وتمهيداً للانسحاب التام من العراق.. خصوصاً وان الخطاب الفكري العراقي بكل اتجاهاته القومية والاسلامية واللبرالية يرتكز على ضرورة خروج القوات الامريكية واعادة بناء البلد واعماره.. لهذا يكون المتحقق على صعيد السياسة الداخلية جدير بالدعم والتعزيز على طريق النمو الاقتصادي الذي يستوجب وكما جاء في البيان:” اذا كان العراق يعتمد على النفط والغاز أساساً للاعمار.. تنصب جهودنا اليوم لاحياء القطاعات الاخرى مثل الصناعة والزراعة والتجارة وغيرها”..لقد أدرك العراقيون وبفطنتهم السياسية، أن النهوض الاقتصادي يعتمد على تنمية قطاعات الزراعة المستندة على المشاريع الاروائية والخدمات الزراعية بشكل موضوعي، علمي تندرج فيه اساليب التقنيات الحديثة مع خلق الاجواء المناسبة لتوفير سلعة الغذاء التي تعتمد على الناتج الوطني والحدّ من استيراد البضاعة الأجنبية.. بالاضافة لتنمية الصناعات المحلية التي وجدت قاعدتها الانتاجية من الستينات، وقد آلت الى التحديث والتطوير لكي تتوازن العمليات الاقتصادية وتنتعش التجارة.. اضافة الى خلق كل مقومات النمو السياحي.. فالتوجه العام يقتضي تنمية الدخل القومي بأساسيات النمو الاقتصادي واعادة بناء البلد على أسس رصينة بعيدة عن التأثيرات الخارجية..وفي مجال حماية الأمن الداخلي من أي طارئ أجنبي لابد أن يعتمد البلد على مسألة تنوع مصادر السلاح لهذا نجد زيارة رئيس الوزراء نوري المالكي الى موسكو والعمل على ابرام اتفاقات جديدة وعدم مجاراة الروس في طروحاتهم الخاصة باحياء الاتفاقيات السابقة باعتبارها ابرمت بظروف خاصة كان العراق احوج ما يكون للتسليح العسكري، وبأي ثمن.. لهذا لا بد من عقد معاهدات تتوجب فيها نديّة العلاقة وتكافؤ المصالح..لقد دفع العراق، ثمناً باهضاً للسياسة الهوجاء التي اعتمدتها ادارة بوش حيث كانت تطبيقاً لزلة لسانه عندما صرح بان” الحرب القادمة.. هي حرب صليبية” رغم سرعة تنازله عنها وتقديم اعتذاراته.. الا ان الواقع يشير-اجرائياً- الى تنفيذ هذه الرؤية، وما زالت تعشعش في ذهن بعض السياسيين في الولايات المتحدة رغم تقاطعها مع سياسة التغيير والمرونة الدبلوماسية التي انتهجها الحزب الديمقراطي المتمثلة بساسة باراك أوباما.. فقد اشارت التقارير الصحفية الى ان احد الخبراء والمختصين بالشرق الاوسط- ديفيد غوباتز- الذي خطط للقيام بجولة في الولايات المتحدة الأمريكية لزيارة مساجدها- على مدار خمسين يوماً- بحجة دراسة التهديدات التي تمثلها تلك المساجد على أمن البلاد القومي.. فـ(غوباتز) الذي يجيد العربية والذي تدرب في وزارة الخارجية الأمريكية، والاختصاصي العامل في مكافحة الارهاب والذي عمل في مدينة الناصرية بعد عام 2003، حينما كان مكلفاً بجمع معلومات استخباراتية عن اسلحة الدمار الشامل لعب دوراً كبيراً في عهد ادارة بوش، وما زال دوره قائماً- رغم انحساره في الولايات المتحدة، فقط.. فهو ما يزال يعمل جاهداً لغلق المساجد في الولايات المتحدة بحجج واهية كالتي كان مسؤولاً عنها في العراق والخاصة باسلحة الدمار الشامل... لهذا يقول في تصريحه الأخير:” ان ما حصلت عليه من معلومات استخباراتية عن المراكز الاسلامية التي خطط لزيارتها قد تم تقديمها الى جانب مواطنين مسيحيين ويهود وكذلك مسلمين تنتابهم مشاعر قلق متناهية”.وحقيقة الأمر، ان هذه النزعة التي تستهدف اغلاق المساجد “لمقاضاة القادة الاسلاميين ، تهدف لاثارة الفتنة ، اذا ما تم حث المصلين على مهاجمة اميركا من الداخل”... وبحجة “ دعم وتشجيع ممارسة العنف ضد الولايات المتحدة”..إن هذا النفس ما يزال في نفوس العديد من السياسيين وفي مفاصل كثيرة من الهيكلية السياسية في الولايات المتحدة وبعض القادة الميدانيين -المخضرمين- في العراق باعتباهم عايشوا الادارتين الأمريكيتين زمن بوش وأوباما..والحقيقة ان تفاؤل العراقيين برحيل القوات الامريكية، لا يخلو من بعض الهنات أو الأخطاء نيتجة وجود مثل هذه العناصر برغم تقاطعها مع ما تطمح اليه ادارة اوباما من عمليات التغيير.. رغم ان ارادة التغيير لم تكن وليدة المزاج الشخصي أو نتيجة ارتباطها بسياسة الحزب الديمقراطي حسب-انما هي حالة فيلولوجية- مرتبطة بمتغيرات السياسة الدولية واتجاه القطب الواحد نحو التقهقر وظهور اقطاب دولية منافسة كالصين واليابان وروسيا والمجموعة الاوربية.. اضافة الى ما خلفته الأزمة المالية العالمية من تأثيرات على قدرة الولايات المتحدة ورغبة شعبها في التقليل من التخصيصات الحربية الهائلة التي تكلف الميزانية الأميركية مبالغ طائلة.فعملية التغيير في السياسة الامريكية، محض تشابك في الخطوط المتداخلة والخارجة عن الارادة الشخصية.. لهذا اجمع الشعب الأميركي على ارادة التغيير خصوصاً في مجال الخدمات الداخلية.إن عملية التفاؤل الشعبي بما ستتمخض عنه تجربة الانسحاب من العراق يتأتى من روح الثقة بالذات العراقية على اجتياز كل الصعوبات، وقد ورد ذلك - تلقائياً- بضمان حالة الاستتباب الامني في البلد حيث أبدى بعض القادة الميدانيين في العراق، استعدادهم لتسليم المناطق الخاضعة لسيطرتهم المباشرة الى القوات المسلحة العراقية ، باعتبار جاهزيتها للحفاظ على الامن واستعدادها الكبير في تحمل المسؤولية الوطنية، وعن ذلك قال اللواء جون جونسون نائب رئيس اركان قائد عمليات الفيلق المتعدد الجنسيات في العراق.. ان الحكومة العراقية وقوات التحالف، أبدت التزامها لأبناء العراق من خلال تصرفهما، وهذا ما يؤكد التزامهما هنا”.لقد لعبت مجالس الصحوات والاسناد دوراً حيوياً في تثبيت المناخات الخاصة بالأمن الداخلي، فقد استأثرت هذه المجالس باهتمام القيادة العامة للقوات المسلحة مثما اهتمت بها القوات متعددة الجنسيات باعتبارها ظهيراً مهماً للقوات المسؤولة عن حماية الامن الداخلي حيث جاء البيان الذي اصدره العقيد جافري كولماير توكيداً لما طرحه اللواء جونسون بقوله، يقوم المسؤولون باتخاذ التدابير اللازمة لدفع الرواتب المتأخرة والمستحقة في المحافظات الأربع”.. ثم يجنح للقول “ يتوجب على الحكومة العراقية أن تضم المحافظات الخمس المتبقية في برنامج دفع الرواتب بعد أن تولت المسؤولية الكاملة على جميع عناصر ابناء العراق”.. فقول كولماير رئيس عملية المصالح من الفيلق المتعدد الجنسيات، يعني الاعتراف الضمني بمشاركة قوى الاسناد للأمن الذي سيستتب - حتماً- بعد رحيل القوات الأجنبية والذي أكده نائب الرئيس الأميركي (جو بايدن) بقوله:” ان الولايات المتحدة ستلتزم بجدولها الزمني لسحب قوتها العسكرية من العراق رغم موجة الاضطرابات الاخيرة التي حملت الحكومة الامريكية المسؤولية عنها على تنظيم القاعدة”.جاء تصريح نائب الرئيس الأمريكي- بايدن- اثر الزيارة السريعة التي قام بها الرئيس باراك أوباما وحثه على مبدأ المصالحة الوطنية خلال محادثاته مع دولة رئيس الوزراء نوري المالكي.. لهذا أوضح بايدن، ان عملية الانسحاب ستكون على مرحلتين، تتسلم خلالها القوات المسلحة وقوى الامن الداخلي المسؤولية ضمن اطار زمني متفق عليه سلفاً..إن ثقة العراقيين بقدراتهم على تجاوز المرحلة والسعي لاعادة البناء والاعمار يستوجب اولاً محاربة الفساد الاداري والمالي لهذا شهدت الوزارات كثير من الاحالات الى المحاكم بالاضافة الى أن تفعيل هيئات النزاهة وصعود العناصر الجيدة والمخلصة ستكون رافداً مهماً من روافد البناء والاعمار.. ففي هذا المجال يرى المهندس المعماري علي نوري حسن في كتابه منظر بغداد 2030 والذي تحدث فيه عن رؤيته المستقبلية لحزام دجلة قائلاً:” تحظى بغداد بميزة اختراق نهر دجلة لرقعتها الجغرافية وتأثيره في بيئتها الطبيعية والعمرانية والاجتماعية - بشكل كبير- لهذا لابد من الحديث عن اقامة حزام طولي يمتد من نهر دجلة من شمال الكاظمية وحتى نهر ديالى جنوباً، للحفاظ على هويتها أولاً، وعدم توسعها العشوائي خارج نطاق التوسع المرسوم، والحفاظ على الاراضي الزراعية المحيطة ببغداد. وهناك مشروع اسكاني- مستقبلي- يقتضي بناء مدن جديدة قرب الصويرة والعزيزية والزبيدية والثرثار بحجوم 120-150 ألف نسمة اضافة الى مدن اصغر في مستوطنات قائمة مثل الراشدية والمحمودية وفي خان بني سعد وناحية الجسر..وهناك دراسات خاصة بتنظيم النقل والمرور كمترو بغداد وحافلات نقل الركاب العام وغيرها من الاساليب التي تساعد على توفير الخدمات الكبيرة للمواطنين..إن مثل هذه الدراسات التي لا علاقة لها بالفهم السياسي، انما ترتبط بطبيعة تفكير الناس العاديين وتفكيرهم في اعمار البلد بعد رحيل القوات الأميركية.. وهو ما يؤكد روح التفاؤل والاستبشار بالمستقبل المتحفز للتغيير.وتركز دراسة مركز الدراسات الاستراتيجية "Strategic Studies Institute" التابع لكلية الحرب الأمريكية "US Army War College"، والمعنونة بـ"التهديدات الإقليمية والاستراتيجية الأمنية: الوضع المقلق حاليًا في الشرق الأوسط" أو "Regional threats and security strategy: the troubling case of today's middle east" على الحديث عن الخصوصية النووية لمعضلة الأمن الإقليمي، لافتة إلى القيود التي مورست على دول المنطقة خلال الـ 50 عاماً الماضية لمنعها من امتلاك القدرات النووية رغم أن هذه المنطقة شهدت ثلاثة حروب رئيسية بالإضافة إلى أن دولها عاشت تحت خطر التهديد النووي منذ عام 1968 عندما تأكد لها امتلاك إسرائيل لهذا السلاح، ويضاف إلى هذا وذاك إعلان العديد من دول الجوار ومنها الهند (1997) وباكستان(1997) امتلاك القنبلة النووية. وهكذا لم تستطع دول المنطقة رغم كل هذه الظروف تطوير إمكاناتها النووية، واقتصر نجاحات هذه الدول وتحديداً العراق وسوريا وإيران على امتلاك الأسلحة الكيميائية والبيولوجية..إلا أن ثمة تغير طرأ على الوضع النووي فى المنطقة خلال الشهور الأخيرة، وهذا التغير تمثل فى إعلان العديد من الدول العربية عزمها تطوير برامجها النووية لاستخدامها فى الأغراض السلمية وتحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وكانت البداية فى نيسان 2006 عندما أعلنت المغرب نيتها تطوير برامجها النووية، ثم جاء جمال مبارك نجل الرئيس المصري ليكشف في ايلول من نفس العام عن رغبة بلاده إحياء برنامجها النووي المتوقف منذ 1986. وتوالى بعد ذلك إعلان باقي الدول عزمها السير قدماً فى هذا المجال، بداءً من الجزائر فى تشرين الثاني 2006، ومروراً بدول مجلس التعاون الخليجي مطلع العام الحالي، ونهاية بالأردن التي قررت فى يناير الماضي اللحاق بركب جيرانها العرب فى تطوير قدراتها النووية..وعلى حد ذكر الدراسة فإن إعلان هذه الدول تطوير قدراتها النووية يحمل فى طياته العديد من الرسائل للأطراف التالية: * إيران، ومضمون الرسالة أن دول المنطقة لن تقف متفرجة على محاولات الدولة الإيرانية النووية للسيطرة على المنطقة.. * القوى الخارجية مثل روسيا والصين والهند، ومغزى الرسالة أن النفوذ والهيمنة الأمريكية فى المنطقة بدأ يتضاءل، وبالتالي فالفرصة متاحة أمام هذه القوى لبناء علاقات سياسية واقتصادية وعسكرية مع دول المنطقة، وفى المقدمة بالطبع التعاون النووي.. * الولايات المتحدة، وهنا توجد أكثر من رسالة، أولها لفت انتباه واشنطن إلى ما قطعته إيران من أشواط كبيرة للحصول على السلاح النووي وما سيترتب على ذلك من نتائج. ثانيها أن دول المنطقة غير راضية عن السياسة الأمريكية تجاهها فى ظل إدارة "جورج بوش". وثالثهما أنه على الولايات المتحدة إيجاد حلول للقضايا الرئيسية التي تعانى منها المنطقة فى غضون 5 ـ 7 سنوات وهى الفترة المتوقع خلالها الانتهاء من إنشاء البرامج النووية المعلن عنها.. المجتمعات الداخلية فى المنطقة، ومحتوى الرسالة أن النظم الحاكمة فى هذه المجتمعات لن تكون بحاجة إلى الضمانات الأمنية الأمريكية، ولن تكون عرضة للتهديدات النووية سواء من قبل تل أبيب أو طهران.. إسرائيل، ومضمون الرسالة أن دول المنطقة ستكون لديها القدرة على تعزيز إمكاناتها النووية بما يضع حداً للاحتكار النووي الإسرائيلي.. المجتمع الدولي، وتتمثل الرسالة فى أن البرامج النووية فى هذه الدول ستخضع لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بما يضفي عليها صفة الشرعية..”ديناميكيات عدم الاستقرار”تحت هذا العنوان تشير الدراسة إلى ديناميكيات عدم الاستقرار الداخلي بدول المنطقة باعتبارها أحدى الملامح البنيوية المؤدية إلى الاضطراب الجيوسياسى الإقليمي. وتطرح الدراسة هنا عدة أمثلة على صراع القوى الداخلية المنتشرة عبر المنطقة، ومنها الصراع بين حماس والسلطة الفلسطينية، وكذلك التجربة العراقية التي أعادت فتح ملفات الصراعات الطائفية الشائكة التي ظلت كامنة طوال فترة التسعينيات، فارتقاء الشيعة والأكراد لمقاليد السلطة فى العراق سيلقى بظلاله على المنطقة، عبر طموحات كلتا الطائفتين داخل الحدود الوطنية..فالأكراد فى كلاً من إيران وتركيا يراودهم الأمل في إنشاء الدولة الكردية عل غرار الموجود فى العراق. ونظراً لما تنطوي عليه هذه الآمال الكردية من مخاطر على طهران وأنقرة، وقعت الدولتان فى عام 2004 اتفاقية تعاون أمنى لمواجهة هذه المجموعات الكردية الانفصالية..أما فيما يتعلق باستحواذ الشيعة على مقاليد الأمور فى العراق وتداعياته على المنطقة، تؤكد الدراسة أن ذلك من شأنه زيادة طموحات الشيعة عبر الخليج، لافتة إلى تصريحات العاهل الأردني الملك عبد الله منذ ثلاثة سنوات، والتي عبر خلالها عن مخاوف الحكام السنة من انتشار ما يسمى "الهلال الشيعي" الممتد من إيران عبر العراق وسوريا ولبنان..وتحت هذا البند تلقي الدراسة الضوء على ما شهدته المنطقة من بروز مجموعة من القيادات السياسية الشعبية والتنظيمات الإسلامية، التي مثلت جميعها تحدياً للنخب الحاكمة في هذه المنطقة. فقادة مثل حسن نصر الله فى لبنان وإسماعيل هنية فى قطاع غزة ومقتدى الصدر فى العراق، يمثلون طليعة حركات سياسية غير ديمقراطية مدعومة بقوة السلاح..وتلفت الدراسة الانتباه إلى وجود عنصر تكميلي آخر صاحب بروز تلك القوى السياسية الجديدة، ألا وهو وصول جيل جديد من الأسلحة التقليدية مكّن تلك المجموعات من تشكيل ما يسمى "دولة داخل الدولة". وتعد المنظمات الشيعية كحزب الله فى لبنان وجيش المهدي فى مدينة الصدر أمثلة واضحة على تلك الظاهرة، إذ استطاعت كلتا المنظمتان تأسيس "دولة داخل الدولة" فى مناطق محددة تمزج فيها بين الأدوات السياسية والعسكرية لبسط سيطرتها على تلك المناطق..وللدلالة على وجود علاقة تعاونية بين هذه المجموعات والمنظمات المسلحة، أشارت الدراسة إلى تصريحات قائد القيادة المركزية الأمريكية الجنرال جون أبى زيد فى سبتمبر 2006، والتي أعلن فيها أن ثمة ارتباط واضح بين تدريب عناصر حزب الله فى إيران للقيام بعمليات فى لبنان وتدريب أفراد من المجموعات الشيعة لتقوم بعمليات داخل العراق..وطبقاً للدراسة، أصبحت البيئة الإقليمية بعد حرب العراق متوافقة مع الأهداف والمصالح الإيرانية. فالغزو الأمريكي للعراق يخدم أهداف طهران من ناحيتين، الأولى أنه قلل من القوة العسكرية الأمريكية كقوة رادعة. وبالتالي فبدلاً من استعراض تلك القوة كما كان يرغب المحافظون الجدد، أظهرت حرب العراق حدود القوة الأمريكية مما طمّع فيها أعدائها. ومن ناحية ثانية فإن ضعف النفوذ والقوة الأمريكية في العراق صعّب عليها الأمر في التصدي لطموحات إيران النووية..وهكذا ـ كما تقول الدراسة ـ أصبحت إيران، وليس الولايات المتحدة، هي التي تملك مفاتيح مستقبل العراق، بل باتت طهران أيضًا اللاعب الأساسي في القضايا الرئيسية بالمنطقة وفي مقدمتها الصراع العربي ـ الإسرائيلي.. أمريكا والبحث عن استراتيجية ضد التهديدات الإقليمية تشير الدراسة إلى أن الولايات المتحدة تتعامل مع البيئة الإقليمية الأمنية المضطربة باستراتيجية ظلت متأصلة بتجربتها في الحرب الباردة، والتي اتسمت بترتيبات دفاعية مصحوبة بتواجد عسكري وعلاقات قوية مع العديد من الدول..تلك العلاقات جعلت الولايات المتحدة تؤسس بنية تحتية دفاعية لها عبر العالم لمساندة خياراتها العالمية. وختاماً توصي الدراسة بالآتي: أن تدرك الولايات المتحدة جيداً التهديدات التي أشار إليها المنتدى الاقتصادي العالمي، مع ضرورة ربط أمنها القومي وخططها وسياساتها الدفاعية بأمن المنطقة، إذا كانت واشنطن ترغب في الحفاظ على مصالحها ليس في الشرق الأوسط فحسب بل في العالم أجمع..أن تبحث أمريكا وشركائها في المنطقة الذين يستضيفون قواعدها العسكرية، إذا ما كانت تلك الضمانات الأمنية التي قدمتها الولايات المتحدة كجزء من استراتيجيتها في هذه المنطقة، لا زالت تصلح للتطبيق الآن..أن تدرك الولايات المتحدة وحلفاؤها الإقليميون التناقضات بين التهديدات الأمنية التي تفرضها التوترات الدولية والداخلية، فيجب التمييز بين كلاهما..