الخميس 16 ربيع الاول 1433هـ السنة التاسعة 9-2-2012 العدد 2436
ماك مارغوليس في قارة تزدحم بالشعبويين من أصحاب الكاريزما والأوتوقراطيين الصاخبين، نجد ألفارو أوريبي يمثل الشذوذ عن القاعدة. فالرئيس الكولومبي ذو الجسد الضئيل والنظارات والوجه الهادئ كلاعب البوكر لم يستسلم للخطابات العاصفة والتلويح بالقبضة. قد يخطئ البعض ويظن أن حذره ضعف، لكن الكولومبيين أدرى بالواقع. فعلى مدى سبع سنوات شاهدوا أوريبي وهو يعمل، يتكلم بصوت منخفض ويضرب بقوة حتى أفقد خصومه توازنهم وسحق العصابات ودفع المتمردين للهرب. وفي هذه الأثناء، استطاع أن ينقذ من الانهيار واحدا من أكثر بلدان العالم خطورة وتشرذما. وبفضل جهوده بشكل رئيسي، نجد أن كولومبيا لاتزال اليوم ديموقراطية فاعلة. أما إن كانت ستبقى كذلك، فهذا سؤال مفتوح.حسب القانون الكولومبي، على أوريبي أن يتنحى عن الحكم في أواسط عام 2010 عندما تنتهي فترته الرئاسية الثانية. ولكن إذا نجح أنصاره ــ المعروفون بالأوريبيين ــ في مسعاهم، فإنه سيعتلي موجة الإخلاص له لتحمله إلى فترة رئاسية ثالثة غير مسبوقة. ولكي يفعل ذلك، عليه أن يقنع المحكمة الدستورية الكولومبية الموافقة على استفتاء وطني لإلغاء سقف الفترات الرئاسية والفوز بهذا الاستفتاء ثم تحقيق النصر في الانتخابات الرئاسية المقررة في مايو المقبل. يحاول خصومه سد طريقه عبر تحديات قانونية، لكن الأعضاء التسعة الذين يشكلون المحكمة الدستورية، معينون في الأساس من قبل الكونغرس المؤيد لأوريبي. ومما يبدو أيضا أن الناخبين لا يحتاجون إلى كثير من الإقناع، حيث يتمتع أوريبي بمعدل شعبية يحسد عليه يصل إلى 69 بالمائة. لكن أوريبي الثالث، كما يطلق الناس عليه، قد يكون خطأ جسيما، ربما يتعدى ضرره كولومبيا.وهناك عوامل مؤثرة تتجاوز سجل إنجازات الرئيس، وهو الذي حقق ثالوث السلام والأمن والازدهار. إن ما يميز كولومبيا عن جاراتها هو التقاليد الديموقراطية الراسخة المرتكزة على حكم القانون. والتلاعب بالقوانين لتكييفها مع الطموحات السياسية هو لعبة يعرفها معظم الأمريكيين اللاتينيين جيدا. فعلى مدى السنوات القليلة الماضية قامت حكومات أربع دول لاتينية ـــ هي فنزويلا وبوليفيا والإكوادور ونيكاراغوا ــ بتعديل دساتيرها لإدامة حكمها وغيرت من ثوابت دستورية تتعلق بالحد الأعلى لفترات الحكم وحرية التعبير والتوازن بين السلطات. أما الكولومبيون عموما فميالون إلى الالتزام بالأصول والقانون. يقول لويس كارلوس فيليغاس رئيس نقابة الصناعات الوطنية: "لدينا واجب تاريخي بأن نكون مختلفين. وهذا يعني احترام المؤسسات". وهكذا كان، فكولومبيا لم تغير دستورها إلا مرة واحدة (عام 1991) منذ استقلالها عن إسبانيا في أواسط القرن الـ19. وبخلاف ذلك، نجد أن بوليفيا غيرت دستورها 16 مرة، وشهدت فنزويلا 26 نسخة معدلة من الدستور، وقامت الإكوادور أخيرا بالتعديل الدستوري الـ20 في تاريخها.وقد كان من شأن التزام كولومبيا بالحفاظ على نفسها كدولة يحكمها القانون وليس فقط الرجال أن ساعد على الإبقاء على البلاد متماسكة عبر عقود من القتال الأهلي والعنف الذي كان يصيبها بالشلل. وقد وفر النظام القانوني المزدهر والإعلام المناضل والبرلمان المستقل أدوات الرقابة والتدقيق الضرورية لإبقاء الديموقراطية نابضة بالحياة حتى مع تعثر الحكومات على يد سلسلة من الزعماء الضعفاء على مدى معظم نصف القرن الماضي. ولكن بحلول عقدي الثمانينات والتسعينات، خضعت هذه المؤسسات التي كانت تمتص الصدمات لابتلاءات قاسية، حيث اخترق نفوذ مهربي المخدرات دوائر السياسة والمحاكم، واشتروا ذمم المسؤولين المنتخبين وأزاحوا من طريقهم كل من عارضهم. وبدا حينها أن كولومبيا على حافة الانهيار كدولة، حيث سيطر المتمردون الشيوعيون وعصابات المخدرات، الذين كانوا يعملون معا غالبا، أكثر من نصف البلد، وأصبحت الجرائم العنيفة وباء مستفحلا. وكانت مدن مثل بوغوتا وميديلين وكالي تتعرض لهزات بسبب حوادث الخطف وإطلاق النار من السيارات. ومع ذلك فإنه في الوقت الذي قد تلجأ دول أمريكا اللاتينية الأخرى إلى استخدام الجيش لاستئصال العنف، فإن الكولومبيين توجهوا إلى صناديق الاقتراع وأجروا انتخابات حرة ونزيهة وحافظوا على المحاكم والكونغرس وسمحوا للصحافة بأن تمارس عملها، وهي خطوات ساعدت على بناء الإجماع وإعطاء الشرعية للحكومة أثناء الزمن الصعب.كان أوريبي سياسيا مغمورا صاحب برنامج سياسي قائم على القانون والنظام. وعندما تولى الحكم عام 2002 قام فورا بمضاعفة حجم الجيش وأعاد تنظيم الشرطة جذريا وغير من وجه البلاد في أربع سنوات. وقد قام أيضا بوضع نهاية لتكتيك التفاوض مع مقاتلي حرب العصابات واعتبرهم خارجين على القانون وإرهابيين بدلا من تصنيفهم كمتمردين سياسيين. وكذلك أصبح الحليف الأوثق لواشنطن في المنطقة وأكبر المتلقين لمساعداتها، حيث حصل على 6.8 مليار دولار لتمويل الحملة الشرسة لمكافحة المخدرات والمعروفة باسم: خطة كولومبيا.وقد تمخض هذا النهج المتشدد الذي اتخذته بوغوتا عن نتائج ملموسة، حيث استطاع الجيش أن يطرد قوات حرب العصابات مثل فارك و إي أل أن من المدن إلى أعماق الأدغال. وفي سياق خطة سلام وعدالة طموحة نفذتها الحكومة، قام 21 ألف مقاتل بتسليم أسلحتهم منذ 2002، فيما حصل 30 ألفا من ضحايا العنف المنظم على تعويضات. وانخفضت كذلك جرائم الشوارع وتراجع معدل جرائم القتل إلى النصف، والاختطاف بنسبة 90 بالمائة في سبع سنوات. يقول خصوم أوريبي إن الحكومة بالغت في أعداد المتمردين الذين تخلوا عن القتال ولم تصدق في تقاريرها عن انخفاض الجريمة. لكن لا أحد ينكر أن العلاج بالصدمة أحيا كولومبيا، فقد ارتفع حجم الاستثمار الأجنبي بشكل كبير منذ أن تولى أوريبي الحكم، ونما الناتج القومي الإجمالي من 100 مليار دولار عام 2002 إلى 250 مليار دولار حاليا، فيما تجاوز نمو دخل الفرد الضعف، من 2100 دولار إلى 5700 دولار. يقول فيليغاس: "لقد كان السلام محرك الازدهار".ومع ذلك فإن إنجازات أوريبي جاءت بثمن، حيث أنفق نسبة كبيرة من رأسماله السياسي وهو يحاول تثبيت قبضته على السياسة الوطنية وتركيز الصلاحيات بيد السلطة التنفيذية والاعتماد بشكل كبير على المجلس التشريعي. وقد قام بتوجيه الغالبية الموالية له في الكونغرس إلى الموافقة على الاستفتاء بشأن الحد الأعلى للفترات الرئاسية على الرغم من الانتقادات الشديدة ومزاعم المخالفات القانونية. ولم يثبت على أوريبي تورطه في أي فعل مخالف للقانون لكن توجهه الصريح، وإن كان غير معلن بوضوح، نحو البقاء في السلطة يضيق على الغالبية السياسية الهشة التي استطاع حشدها ويسمم العلاقات مع المعارضة والحلفاء على حد سواء. وسوف يؤدي ذلك إلى تآكل سلطته ويصعب عليه ممارسة الحكم في فترة رئاسية ثالثة.وهناك تكلفة أخرى لنجاحات أوريبي ولكنها ليست ملموسة بنفس القدر، وتتمثل في أن معظم الكولومبيين، سواء بدافع الامتنان أو الخوف، لا يرون في الرئيس مجرد زعيم سياسي قادر فحسب، بل منقذ البلد الذي لا بديل له. ففي الوقت الذي لا نجد فيه من بين نصف دستة من المرشحين لخلافته من اليسار المتشدد .