وعلى الرغم من ان تشرشل كان يتطلع الى عملية جلوس فيصل في اقرب وقت مبكر، لكنه كان يرمي الى ازالة اللبس تلافيا لانعكاسات سلبية لاحقة.
وتبدى فيصل مراهنا على ما كان يعتقد بأنه قد وقع، لذلك ما كان على تشرشل الا ان يأخذ بسياسة حازمة فطالب فيصلا بأن يعطي (عهدا وثيقا ويفضل تحريريا) بأن يخلص لالتزاماته امام الحكومة البريطانية، وقد صادق مجلس الوزراء على هذا الخط الجديد.
* بغداد تستلم الاتفاقية
في تشرين الاول حمل يونك معه الى بغداد مسودة اتفاقية بشكلها النهائي والذي كان سيعين كوكس في مناقشاته مع فيصل وكانت عملية المفاوضات الى حد كبير لعبة قام بها ممثلان اساسيان، وكان لكل واحد منهم بيادقه، فالحكومة البريطانية اعتمدت بصورة كبيرة على مصداقية ما في حوزتها من قابلية مادية.
فقد اصبح جليا ان وجود القوات العسكرية البريطانية كان ضروريا للحفاظ على النظام اذا لم تكن وسائل الحكومة المحلية كافية لمعالجة الاضطرابات السياسية الداخلية او لردع الخطر الخارجي، ولقد ادرك فيصل حقيقة المواقف هذا.
وبالمقارنة مع دار الاعتماد فأن فيصلا لم يتمتع بموقع تساومي مكافئ لبريطانيا ولذلك كان من الطبيعي ان يرتكن الى التعبية النفسية عند كل مرحلة من المفاوضات، وبما ان وسائطه في هذا الميدان كانت ايضا مقيدة، فأنه اضطر الى الاتكال على عوامل ثانوية التي كان دورها في مرحلة معينة مهيمنا، فأستهدف فيصل تعظيم فاعلية واهمية هذه العوامل في الوقت الذي قللت دار الاعتماد من دورها لاحباط مناوته.
وكان من بين هذه العوامل المساعدة في المفاوضات الحكومة، والعناصر المعتدلة والوطنيون والعشائر والجماعات الدينية والاقليات.
ومما لاريب فيه ان دوافع واساليب ووهن ومصداقية كل عامل من هذه العوامل المساعدة تركت اثارها الكبيرة على عملية المفاوضات ونتائجها.
لقد كان دور الحكومة العراقية مصفدا بجملة اعتبارات، فمن الناحية الاولى انها لم تكن حكومة ذات غرس ووظيفة وكفاءة مؤسساتية، انها كانت ابتداعا ليس الا ، وذلك لمعالجة اوضاع اتية ريثما يتم ارساء الهيكل الختامي لبنية النظام العراقي، وكانت وظائفها مقيدة بعمر النظام القصير، وان اعضاء مجلس الوزراء لم يكونوا ممثلين لجماعات معينة او احزاب. ومع ذلك فأن الحكومة كانت السلطة الشرعية في البلاد، وكان النقيب رئيس مجلس الوزراء رجلا له طموحاته وكان يمثل المعتدلين كما انه تمتع بنفوذ ديني، والاكثر من هذا فأن علاقاته مع دار الاعتماد كانت ودية وقد رحب بفكرة تلقي النصح من دار الاعتماد او المعتمد السامي. اما الوطنيون والعشائر والجماعات الدينية فقد كانوا من بين بيادق فيصل الاكثر فاعلية في تكتيكه واما المعتدلون الذين انضوى الى لوائهم ملاك الارض، وبعض شيوخ العشائر وبعض من المعارضين في البصرة. فلم يكن في وسعهم تحدي الوطنيين كقوة بصورة علنية، لذا فأن تأثيرهم الفعلي في البلاد لم يتناسب مع قوتهم الفعلية ولكن دار الاعتماد توقعت ان المعتدلين سيتحملون الاتفاقية ويدافعون عنها ويصدون نشاطات الوطنيين، وكان الظن ان المعتدلين سيرحبون بالاتفاقية مع بعض التعديلات. اما الاقليات فعلى الجملة كانوا يميلون الى السيطرة البريطانية على النظام العراقي، فكان الاكراد قلقين على منزلتهم السياسية في النظام وطالبوا بعلاقات متميزة مع دار الاعتماد وكان لدى المسيحيين واليهود احاسيسهم الخاصة، فدعوا الى السيطرة البريطانية او الاشراف على النظام. وبينما كانت المفاوضات تسري كانت البلاد في حالة غليان سياسي، ففي 17 تشرين الثاني اعلن الممثل البريطاني الى عصبة الامم مبادئ سياسة الانتداب البريطاني على العراق. وكانت الحكومة البريطانية ستحتفظ لنفسها بسلطة السيطرة على العلاقات الخارجية والشؤون المالية وغيرها من التزامات الدولية. فأتضح للعراقيين ان الاتفاقية لم يكن يقصد من ورائها ان تكون بدلا للانتداب. ولقد الت هذه التصريحات الى نشاطات وطنية، فالوطنيون الذين كانوا قد استثنوا من عملية المفاوضات الفعلية ظنوا ان الاتفاقية بديل للانتداب.
ولم يكن في وسعهم تقدير ادعاء بريطانية بأن الانتداب التزام دولي كان عليها ان تطيعه، وكان الحق مع المواطنين في ذلك لانهم لم يروا تبريرا امام بريطانيا للاحتفاظ بالانتداب كمبدأ في تصريف علاقاتها مع العراق، وكان امام اعينهم نموذج الانتداب السوري.
فيصل والوطنيون
ومع هذا فقد كان فيصل حذرا في علاقاته مع الوطنيين، فثمة اعتبارات اثرت على موقفه حيالهم، لقد اضحى فيصل رجلا عمليا وناضجا سياسيا، فتجربته القصيرة الان في سوريا صقلت مهارته الدبلوماسية كرجل دولة. والواقع ان النهاية المأساوية لنظامه في سوريا دفعت به الى مراجعة حوافزه وتقويم مواقفه ووزن تكتيكه في تعامله مع القوى السياسية المتداخلة في المواقف. ان مأساة سوريا واكدت له ضرورة الاحتراس من ولاء ونصح مع انصاره، لذا اصبح اكثر تعويلا على قناعته وتفهمه للتطورات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية المحيطة به. وبالمقارنة مع كوكس الذي كانت يده قوية في المفاوضات لانه يستعين بتجربة طويلة في التعامل مع المواطنين، فأن فيصلا بفعله الشخصي حرم على نفسه منفعة التشاور مع مساعديه وبعض الكفوئين من مؤيديه سوى امين سره الشخصي. ولقد عزم فيصل على تصريف شؤون مستقبله منفردا، وعلى العكس من فيصل فأن كوكس كان في موقع يعينه على المداهنة. ففي مجرى المفاوضات كشف فيصل القيم الاخلاقية التي حددت مواقفه وتبدى انه كان يظن ان ما اطلعه عليه المسؤولون البريطانيون من مختلف المراتب يمثل السياسة الرسمية للحكومة البريطانية. فلورنس وكليتن وكورانوالس ويونك كانوا اصدقاء حميمين اقام معهم فيصل علاقات صداقة شخصية. فيونك كان القناة التي نقلت اليه نيات بريطانية، ورأى فيصل ان الوثوق في اخلاصه وتقدير الرباط الاخلاقي الذي بينه وبين لندن سيمكن الحكومة البريطانية من نيل اغراضها، ومع ذلك هذا لايعني القول بأ، فيصلا كان يؤمن بأن السياسة يجب تنشأ على ارض الاخلاق وحسب. لقد كان فيصل يدرك القيود التي طوقته وان انحناءه امامها كان يعني تنازله عن طموحاته، ولكي يقاوم فيصل الضغط المسلط عليه من جانب السلطات البريطانية عول على استخدام القوة الكامنة للوطنيين. ومن المفيد بمكان ان نلحظ ان فيصلا قد اخفق في الافادة من القوميين في سوريا، كما كان ضحية مشاعرهم الجياشة وتكتيكهم المضطرب، ولقد كان في سوريا في مؤخرة الصحف في الوقت الذي كان ينبغي فيه ان يكون في المقدمة.
اما في العراق فكان فيصل يعي ضرورة تجاوز ذلك الخطأ بكل عقيلة، لذا فأن القوى المناهضة للانتداب كانت ستخدم لعبته عندما يقدر ان فيها جدوى. وكان بقدر معلوم ناجحا في ممارسة السيطرة على الوطنيين كي يحافظ على سير العملية في الوجهة التي يقصدها. ووزن فيصل اثقاله وزنا دقيقا وصائبا، فدوره في السياسة البريطانية كان حيويا لانجاحها في العراق، غير ان محنته كانت في كيف يحث لندن على تقدير موقفه حق قدره عند ذلك ستسعى للتوفيق بين اهدافها في العراق وبين طموحاته الشخصية وتطلعات الوطنيين، وكان امامه جادتان، الا ولى ان يتعاون مع السلطان البريطانية حسب اوامرها ومن دون قيد، وبهذه الوسيلة قد تتشجع لندن فتقدم على اعطائه حصة من المسؤولية في عملية الادارة والاشراف على النظام الجديد. واستدعى هذا الخيار تيسر شرطين اساسين: احدهما وجود مصالح متبادلة بين الطرفين وثانيهما استعداد فيصل لاخضاع طموحاته وامآنيه الى السياسة البريطانية لاثبات اخلاقه، اما الجادة الثانية فهي ان يكون عنيدا وغير متعاون وذلك لادخال القلق الى قلب لندن بشأن مستقبل السياسة البريطانية في العراق. وكان جليا ان فيصلا سار في الدربين معا، فقد اكد مرارا استعداده لخدمة المصالح البريطانية بكل اخلاص، ومع ان لندن تشك في مقاصد فيصل واخلاصه الا انه عرض تعلقه ببريطانيا العظمى في اكثر من مناسبة.
ولم يكن من الممكن تغاضي دينه للسطات البريطانية، فلقد كان لها فضل عليه، غير ان مماطلة ورفض الحكومة البريطانية تقدير موقفه ارغماه على اللجوء الى الخيارات البديلة اي السير مع القوى المناهضة للانتداب. وبعد ان اخفق فيصل في اغراء لندن بأنه سوف يخلص بالتزاماته لها والحفاظ على المصالح في مقابل علاقة غير انتدابية عمد الفيصل الى سياسة عدم التعاون، وكان في تصوره ان وطنيين رافضين بشدة للوجود البريطاني ومقاومة للانتداب قد تلويا يد بريطانيا فتستجيب لمطالبه، وطالما ان تجربة ثورة 1920 كانت ما تزال عالقة في الاذهان فان بريطانيا سوف تواجه احتمال الاخذ.