وحدها الصدفة هي التي لعبت في ظهوره، وجعلته رمزا من رموز شهر رمضان المبارك، ليس في السعودية فحسب، بل في جميع الأقطار الإسلامية، وعلى الرغم من مرور مئات السنين على تلك السنة، والتطور الذي ضرب مختلف جوانب الحياة، فإن مدفع رمضان لا يزال رابضا متمسكا بمكانته وسيلة محببة لدى الكثيرين لإعلان موعدي الإفطار والإمساك. واعتبر الناطق الإعلامي باسم شرطة العاصمة المقدسة الرائد عبد المحسن الميمني، في حديثه (المدفع إحدى أهم آليات شرطة العاصمة، كونه يرتبط بشهر كريم، ينتظر الناس سماع دويه عند وقت الإفطار ساعة أذان المغرب، لذا فهو محل عنايتنا ورعايتنا). وقال (منذ أكثر من 70 عاما تقريبا، أي منذ تأسيس شرطة العاصمة المقدسة، أوكل إليها مهمة الاعتناء بهذا المدفع عبر فريق فني متخصص، يعمل وفق جدول موضح ومثبت لديهم)، مشيرا إلى أن الأفراد القائمين عليه متمرسون ومتدربون على آلية عمله. وذكر أنه بنهاية يوم العيد يعاد المدفع إلى مقره بإدارة المهمات والواجبات الخاصة بشرطة العاصمة المقدسة ولا يعود للجبل إلا قبيل بداية شهر رمضان بيوم أو يومين من كل عام.وأضاف الرائد الميمني أن هذه المهمة توكل تحديدا إلى فني متخصص في عملية إشعال البارود بعد تجميعه وتركيبه في فوهة المدفع وإطلاقه بطريقة سليمة، حتى لا يلحق الضرر بمن حوله. ومدفع رمضان في مكة المكرمة عبارة عن آلة حربية تجر بواسطة مركبة على أربع عجلات لا تطلق طلقات أو ذخيرة حية، بل تطلق ذخائر صوتية ناجمة عن عملية انفجار البارود واحتراقه داخل فوهة المدفع، فينطلق الصوت ليُسمع في أرجاء المنطقة، ويصدر دخانا متصاعدا نتيجة لاحتراق البارود بعد إطلاق الذخيرة.
ويحتل مدفع رمضان في العاصمة المقدسة أعلى قمة جبل معروف باسمه، وهو (جبل المدافع) وقد تم اختيار المكان تحديدا لما توافرت فيه من مقومات جعلته موقعا استراتيجيا، ومن ضمنها خلو المنطقة من السكان، بالإضافة إلى كونها منطقة مرتفعة، تسهل مشاهدته بالعين، لا سيما أنه مجاور للحرم ومناراته. وكان سكان منطقة مكة المكرمة قبل بناء المباني الحديثة والشاهقة، يشاهدون بسهولة الشخص الذي يقوم بإطلاق القذيفة.
ولم يسلم المدفع من التطور التكنولوجي الذي طال جميع نواحي الحياة فقد استبدل في السنوات الأخيرة بمدفع حديث وهو شبه آلي والقذيفة تكون جاهزة وليس على الشخص الذي يطلق القذيفة إلا أن يضعها في محل ويقفل عليها ثم يضغط على زر معين يعطي صوت الانفجار، بعكس القديم الذي كان يعمل يدويا فكانوا يملأون فوهة المدفعية بالبارود من الأمام بيدهم ومن ثم يكبسونها يدويا أيضا من خلال عصا وبعد ذلك يتم إطلاق القذيفة عبر سحب حبل للخلف بشده ومن ثم يحصل القذف.
وكان الشخص المخول بإطلاق القذيفة قديما يأتي قبل موعد الأذان بفترة كافية، حتى يتسنى له تجهيز المدفعية، والتأكد من مدى صلاحيتها، بينما الآن أصبح الوضع مختلفا تماما، فتجد الشخص المسؤول يأتي قبل موعد الأذان بدقائق، وبمجرد سماعه مع بداية التكبير، يطلق تلك القذائف الصوتية، التي يسمعها سكان مكة المكرمة. وعلى الرغم من استمرار مدفع رمضان، في أداء مهمته طول فترة الشهر الفضيل، وتعاقب الأفراد العاملين عليه، فإنه لم تسجل أي حوادث أو إصابات أثناء تعاملهم معه.
ويشار إلى أن المدفع الحالي هو الوحيد في مكة المكرمة بعد أن كان هناك نحو 3 مدافع يتم التبادل بينها، في كل من (جبل النوري) و(جبل شماس) و(جبل الجموم) حيث إنه كان الوسيلة الوحيدة لإعلام الناس بوقت الإفطار والإمساك، في ظل عدم انتشار الوسائل الإعلامية كما هو حادث الآن، ولكن جميع تلك المدافع توقفت عن العمل بعدما توسعت وانتشرت وسائل الإعلام المختلفة مثل الراديو والتلفزيون وغيرهما.
وحتى وقت قريب، كان الفنيون المسؤولون عن المدفع يقومون بإخراجه قبل شهر رمضان لتجهيزه والتأكد من سلامته وجاهزيته للاستخدام طيلة الشهر الكريم، ويستمر عمله طيلة شهر رمضان بمعدل 3 مرات كل يوم، وبانتهاء أول يوم من أيام عيد الفطر يتم إنزاله من الجبل، وحفظه في مقر إدارة المهمات والواجبات الخاصة بشرطة العاصمة المقدسة، مع استمرار صيانته بطريقة دورية منعا للصدأ أو تلف أحد أجزائه، ولا يعود مدفع رمضان إلى مكانه بـ(جبل المدافع) إلا قبل بداية شهر رمضان الكريم بيومين من كل عام ليكرر مهامه السنوية التقليدية، ليظل تراثا تقليديا عريقا يميز مكة المكرمة في شهر رمضان الفضيل.
ويحظى مدفع رمضان بمكانة كبيرة لدى كبار السن الذين عاصروه وعايشوه بجميع مراحلهم العمرية، وكان شاهدا على لحظات أفراحهم وأحزانهم، فلم يكن مجرد آلة إعلام بمواعيد الإمساك والإفطار، بل إنه رمز وتراث يرجون أن يورث لأبنائهم ثقافة محببة مرتبطة بشهر الصيام.
المتصفح لتاريخ المسلمين قديما، باستطاعته الوقوف على المحاولات المتكررة هنا وهناك، على مر التاريخ، ومع زيادة الرقعة المكانية والسكانية، وابتكار وسائل مختلفة لإعلام الناس بموعد الإمساك والإفطار، لا سيما أنهم كانوا يأكلون ويشربون من غروب الشمس حتى وقت النوم، ولكن عندما بدأ استخدام الأذان واشتهر بلال وابن أم مكتوم بتأديته سهل الأمر عليهم، إلى أن ظهر مدفع الإفطار إلى الوجود، الذي ساعد كثيرا في تنبيه الناس بدخول الوقت لا سيما البعيدين عن المناطق التي كان يؤذن بها ولا يصلهم صوت المؤذن.
واختلفت الروايات التاريخية حول أصل ظهور المدفع، إلا أنها تتفق على أن عامل الصدفة كان العامل المشترك بينهم، الذي لعب دورا كبيرا في استخدامه، كأداة لتنبيه الناس بموعد الإفطار.
فالرواية الأولى تشير إلى أن العاصمة المصرية كانت أول مدينة يطلق فيها مدفع رمضان، وكان ذلك بغروب أول يوم رمضان في العام من عام 859 للهجرة، وذلك عندما أراد السلطان المملوكي خشقدم أن يجرب مدفعا وصل إليه جديدا فصادف وقت إطلاق المدفع وقت الإفطار بالضبط، فظن الناس أن السلطان تعمد ذلك لتنبيههم بموعد الإفطار.
فخرجت جموع الأهالي في اليوم التالي إلى مقر الحكم تشكره على هذه البدعة التي استحدثها، وعندما رأى السلطان سرورهم قرر المضي في إطلاق المدفع كل يوم إيذانا بالإفطار، لُيضيف بعد ذلك مدفعي السحور والإمساك كل يوم حتى نهاية الشهر الكريم.
أما الرواية الثانية، فتفيد بأن محمد علي الكبير، والي مصر كان يجرب مدفعا جديدا استورده من ألمانيا، في إطار خططه لتحديث وتطوير جيشه، فانطلقت أولى طلقاته وقت أذان المغرب بشهر رمضان، فارتبط في أذهان العامة أن ذلك الصوت هو إيذان بوقت الإفطار.
فيما تشير الرواية الثالثة إلى أن الصدفة وحدها هي التي لعبت دورها في ظهوره، حينما كان بعض الجنود في عهد الخديوي إسماعيل ينظفون أحد المدافع فانطلقت منه قذيفة في سماء مدينة القاهرة، مصادفة وقت أذان المغرب من شهر رمضان، فظن الناس أن الحكومة اتبعت تقليدا جديدا للإعلان عن موعد الإفطار وسروا بذلك.
وعندما علمت ابنة الخديو إسماعيل، الحاجة فاطمة بما حدث راقت لها الفكرة وأصدرت فرمانا تدعو فيه إلى استخدام المدفع عند الإفطار والإمساك وفي الأعياد الرسمية، ومنذ ذلك الوقت ارتبط في أذهان الناس بموعد الإفطار والإمساك وأطلقوا على ذلك المدفع (الحاجة فاطمة) ومكانه بقلعة صلاح الدين الأيوبي.
وتستطرد تلك المراجع التاريخية أن فكرة المدفع بدأت تنتشر منذ أواخر القرن التاسع عشر من مصر إلى دول الشام مثل دمشق والقدس وغيرها من المدن الأخرى ومن ثم إلى المناطق المجاورة لها مثل العراق انتقالا إلى الكويت في عهد الشيخ مبارك الصباح عام 1907، ثم انتقلت إلى كافة أقطار الخليج قبل عصر النفط، ومن ثم انتشرت باليمن والسودان وصولا إلى دول غرب أفريقيا مثل تشاد والنيجر ومالي ودول شرق آسيا التي دخل إليها المدفع تحديدا عام 1944.
حكاية مدفع الإفطار .. وطوب أبو خزامة
الكثيرون منا يتشوقون لسماع دوي مدفع الإفطار ساعة غروب الشمس؛ ليبدأوا بالتخلص من العطش الذي يلازم الصائم طوال النهار وحتى المغيب ،لكن الكثير منا يعرف قصة مدفع الإفطار الذي سيبقى جزءا مهما، وصورة دائمة في شهر رمضان المبارك على مدار القرون والدهور.
أن إطلاق قذيفة عند الإفطار كذلك عند إقتراب موعد السحور من التقاليد الرائعة التي عرفها المصريون بالمصادفة ثم نجحوا في تسويقها إلى كل البلدان العربية والإسلامية فيما بعد.. هذا على الأقل ما تقوله مصادر التاريخ، ويتناقله العامة في كل زمان ومكان.. وتقول أشهر الروايات عن مدفع الإفطار أن والي مصر محمد علي الكبير كان قد إشترى عددا من المدافع الحربية الحديثة في حينها في إطار عزمه على تسليح جيش مصر، وجعله جيشا قويا وصادف أن قرر الوالي القيام بتجريب مدافعه الحربية في رمضان فأطلقت أول قذيفة من تلك المدافع لحظة غروب الشمس في أول يوم من أيام رمضان المبارك؛ فظنّ العامة من الناس أن والي مصر لجأ إلى طريقة جديدة للإعلان عن موعد آذان المغرب في رمضان، فأعجبوا بهذه الطريقة وشكروا الوالي وطالبوا أن يتكرر ذلك خلال السحور أيضا فوافق الوالي، وحتى عام 1859 م كان المصريون يستخدمون الذخيرة الحية في إطلاق المدفعية لكن بعد ذلك تمت الإستعانة بالذخيرة غير الحية من أجل تقليل الأضرار التي تلحق بالقلعة الموجودة جنوب القاهرة التي كانت موضعا لإطلاق مدفع الإفطار، وخلال هذه الفترة كانت قد إنتقلت إلى بقية البلدان العربية والدول الإسلامية أيضا على مراحل عدة، وكان مثل هذا يحظى بقبول الناس في كل مكان بخاصة لدى الأطفال الذين يتخذون مواقعهم فوق سطوح الدور والأماكن المرتفعة لكي يسمعوا صوت إنطلاق مدفع الإفطار.
و تقول رواية أخرى؛ حدث أن الناس اختلط عليهم وقت الإفطار ووقت السحور، وتساءلوا: كيف يعرفون وقت كل منهما؛ خاصة أنهم أحيانًا لا يسمعون الأذان، وأحيانًا يكون الجو مظلمًا في فصل الشتاء فلا يعرفون متى تغرب الشمس. واقترح أحد الفلاحين على شيخ من شيوخ الأزهر قائلاً: مدافع محمد علي باشا -حاكم مصر في ذلك الوقت - بالقلعة تقلقني في الظهيرة.. لماذا لا تقلقنا ليلاً في إفطارنا وإمساكنا؟ سكت شيخ الأزهر قليلاً ثم قال: حقًا والله إنها فكرة يا أخي. وفى التوِّ ذهب شيخ الأزهر إلى محمد علي باشا، وقال له: يا والي البلاد، إن القاهرة قد اتسعت كثيرًا، ومن الناس من لا يسمع الأذان.. وقد اقترح عليّ فلاح مصري الآتي... وحكى له. فأمر محمد علي باشا بتنفيذ الفكرة، وسحب الجنود مدفعًا كبيرًا، ووضعوه فوق قلعة صلاح الدين. وقبل رمضان بيوم جاء أربعة جنود إلى المدفع، واحد منهم "معمارجي"، ومهمته أن يضع الطلقة في مكانها داخل ماسورة المدفع فيعمِّرها، والثاني "رامٍ"، ومهمته أن يقوم بتشغيل الترباس الذي يحكم إخراج الطلقة، والثالث "طومار"، وهو الذي يقوم بتبريد الماسورة بعد إخراج المقذوف، والرابع مهمته إحضار الطلقة للمعمارجي. ويقيم هذا الطاقم بجوار مدفع الإفطار طوال شهر رمضان، وعند ثبوت الرؤية -رؤية الهلال- يطلق الطاقم إحدى وعشرين طلقة ابتهاجًا واحتفالاً بقدوم شهر رمضان الكريم. طوب أبو خزامة “ طوب أبو خزامة” هو ذلك المدفع النحاسي الذي ظل جاثماً أمام باب القلعة “وزارة الدفاع” فيما بعد سنين طويلة حتى بات جزءاً من التراث الشعبي البغدادي ومن تراث شارع الرشيد، فما من أحد مرّ في هذا الشارع خلال قرن من الزمن لم ير هذا المدفع الرابض على باب الثكنة “وزارة الدفاع” ليذكر الناس بمجد عسكري عثماني آفل. ومن كثر ما جرت عليه من عادات ومعتقدات شعبية لدى العامة أصبح هذا الطوب موضع المثل الشعبي والحكاية المتداولة بين العوام.
صاحب المعجزات
وقد شاع بين العامة البغدادية - كما يقول أغلب المؤرخين - إن هذا الطوب “المدفع” الذي ربض على باب القلعة ومن ثم وزارة الدفاع على رصيف المارة عقوداً طويلة بحيث ظل يراه يومياً كل من يمر بالجادة العمومية “شارع الرشيد” يعد صاحب معجزات، وبعض من كتبوا عنه قالوا إن له الفضل الكبير في دحر الفرس وإستعادة بغداد من قبل العثمانيين، حتى أضحى كما يقول عبد الكريم العلاف في نظر السذج من الناس آنذاك ولياً من أولياء الله سبحانه وتعالى!!، يزورونه ويتبركون به ويعقدون الخرق بسلسلة الحديد التي تربطه إلى قاعدته، ويشعلون الشموع حوله كل ليلة جمعة، وأكثر زواره من النساء.
حجر صامت
فالمرأة البغدادية تعتقد إنه ولي قلما يخيّب أمل زواره، وبالطبع فإن أغلب المعتقدات العراقية هي معتقدات مبنية على “الأمل والرجاء” فالإنسان العراقي رغم قوة تحمله وشجاعته في بناء حضارة وادي الرافدين، عاش في بلد متلبد دائماً بالنكبات والمصائب، وكان الإنسان العراقي يعقد “الأمل” حتى على الحجر الصامت ليعينه على تجاوز الصعاب، بيد إن الأمية وغياب التمدن في معظم نواحي بغداد آنذاك ساعد كثيراً على نسج هذه المعتقدات الخرافية حول هذا المدفع وغيره من الأشياء التي أصبحت موضع معتقدات البغداديين، طفل الطوب ايعيش؟
وقفت أم ستوري في مدخل سوق الهيتاويين القريب من محلة باب الآغا المجاورة للحيدر خانة على الجـادة تتـحدث مع جـارة لها تسألـها:هل ولدت نورية ام ما زالـت فتجيبـها بالحمد لله انها ولـدت طفلا ولكـنها تخاف عليه ان يمـوت ويطلقها زوجـها فقد حلف باغلـظ الايمـان بانه سيقوم بتطـليقها اذا ماحدث اي مكـروه للطـفـل فتنصحـها ام ستـوري بـان يذهبوا في اليـوم السابع الى (طوب أبو خزامة) وتقوم بإدخال رأس الطفل في الطوب ثلاث مرات وبعدها سيعيش إن شاء الله.