الخميس 16 ربيع الاول 1433هـ السنة التاسعة 9-2-2012 العدد 2436

الخميس 16 ربيع الاول 1433هـ السنة التاسعة 9-2-2012 العدد 2436

 
 
 
 

 
أصوات ريفية لا تـُنسى: مسعود العمارتلي صوت سومري صدح في أهوار الكحلاء.. حكاية المرأة العمارية التي (استرجلت)..
9/4/2010 11:22:00 AM
* جدول الكحلاء المتفرع من ضفة دجلة الشرقية الذي تنساب مياهه بهدوء بين حقول الشلب ماراً بعشرات القرى والمضايف العامرة لعشائر آل بو محمد والمصطفة بنسق واحد باتجاه القبلة.. ومن ثم يصب مياهه الغرينية في أهوار (أم الطوس) و(أم طفر) حتى أهوار الحويزة.. كان هذا عام 1901 حيث ولدت الطفلة السمراء (مسعودة) بنت مله سعد ومن امٍ اسمها(إرخيصه). وقد تضاربت الىراء حول انتمائه العشائري وقبل انه من عشيرة (النوافل) الساكنة في عمق أهوار الكحلاء.. ولكن امه وبعد وفاة والده تزوجت من رجل من عشيرة بيت منشد فعاش وترعرع في اسلاف ومضايف ( آل بو محمد) وقد أحبه شيوخهم آن ذاك.
وكانت ولادة ونشأة مسعودة في فترة حدثت فيها بعض التغيرات السياسية والاجتماعية الهامة حيث اندحار الاحتلال العثماني وسيطرة وهيمنة الاحتلال البريطاني بعد سقوط العمارة في 1916/6/3 وكان كل من الاحتلالين قد أجرم بحق الفلاحين والمجتمع الأهواري بزرعه الفتنة والتفرقة وعادات وتقاليد بعيدة كل البعد من عاداتنا وتقاليدنا العربية الأصيلة من حيث الظلم والجور.. وما لاقته المرأة من أخيها الرجل جعل العشرات من بنات الأهوار يتمردنَ على جنسهنّ واعتبرنَ الذكورية هي المنقذ الوحيد لهنّ من هذا الظلم والتعسف فتشبهنَ بالرجال (مسترجلات).. ففي أهوار الحلفاية تمردت (موزه) لتصبح (موزان) وفي الكحلاء (مسعودة) لتصبح (مسعود).. فلبسنَ الدشداشة والكوفية والعقال والعباءة الرجالية وجالسن الرجال.. واصبحت لهن (حصة) في الزرع والصيد كحصة الرجال وتولعنَ بالغناء والعشق بالنساء كما يحب ويهوى الشباب.. ومسعود غنى وعشق وهام ببنات قريته وقد تكلل هذا العشق (بالزواج) من كل من (كامله) و(شنينه) أما الثالثة فتزوجها في مدينة الأحواز اثناء وجوده في ايران. وكان أول من وضع العقال على رأس مسعود هو الباشا الشيخ المرحوم (محمد بن عريبي بن وادي شيخ عشائر آل بو محمد) كان ذلك نتيجة حادث بطولي وشجاع قام بهِ مسعود فاستحق هذا التكريم( المصدر: الفريجي الدكتور سلمان عبد الواحد المهتم بتراث مسعود).. وهناك رأي للباحث الفلكلوري الحاج عبد الحسن المفوعر السوداني (1920-2006) الذي عاصره في صباه حيث قال لي (إن سبب تمرده هو حبه وولعه بالغناء لأن أهل الهور لا يسمحون للمرأة بمجالسة الرجال او حضور الغناء في المناسبات) كما وصفه (بأنه اسمر قصير القامة ووجود آثار مرض الجدري على وجهه وكان يعتني بهندامه ويفضل العقال الغليظ وعباءة الرجال المعروفة (بالجاسبي).. ويعد الغناء هو المتنفس الوحيد عن النفس المكبوتة وكذلك بيئة الأهوار الخضراء والمياه الصافية وهدير المشاحيف واصوات الناعيات ليلاً وكذلك اصوات رعاة الجاموس والصيادين وزقزقة الطيور هذا مما يشجع ابن الأهوار على الغناء بالرغم من حزنه لذلك أثرت هذه الأغاني الحزينة تأثيراً مباشراً بغناء مسعود فغنى منذ صباه واتخذ له لوناً خاصاً به ألا وهو (البسته) بالرغم من تأثره بالأطوار الغنائية التي ولدت بالأهوار كأطوار المحمداوي(1883) وكذلك الفالحية والساعدية. وفي اهوار سوق الشيوخ ظهر الطور الصبي (1873) الذي غناه لأول مرة الصابئي المندائي رومي بن شعلان.
وعندما ذاع صوت مسعود في الغناء ارتبط بصداقات مع شيوخ آل بو محمد. فغنى للشيخ (جاسم محمد العريبي) أغنية (محمد بويه محمد) وللشيخ خزعل بن فالح الصيهود الملقب(أبو طويره) أغنية (بو طويره أريد وياك وياك أخذني) عندما هاجر الشيخ خزعل الى الأحواز واستقر في ايران وكان يكرمه ويقدم له المعونات المالية .. وقد اشترك معه في هذه الأغنية صديقه موزان(موزه) واصبح ملازماً له في جميع بستاته. وكان مسعود يختار مفرداته والحانه من وسط بيئته ذات الطابع الحزين والأحداث التي يشاهدها فمثلاً أغنية (كصت الموده شعري أرد أكصه اعليك) باعتبار ان المرأة في الأهوار تقصُ شعرها (الگصايب) لتبرهن مدى عمق حزنها على المتوفى من اقاربها... وأغنية (اسكينه يا اسكينه استكفانه العريضي بس أنا وياچ) وهي تحكي قصة أن ابن والي او متصرف العمارة العثماني واسمه (علاوي) الذي كان مصاباً بأمراض مزمنة ولكنه عشق وهام بخادمته (اسكينه) ولكنها توفيت قبله فحزن عليها مما جعل مسعود يغني هذه الأغنية. ومسعود العمارتلي السومري ابن الجنوب كان قد شدّ الرحال الى بغداد ليلتحق برواد الطرب الريفي الذين سبقوه أمثال حضيري ابو عزيز وناصر حكيم وداخل حسن ويلتحق بمقهى (ناصر حكيم) في علاوي الحلة بعد أن استأجر له بيت في منطقة الرحمانية وقد غنى لأول مرة في الإذاعة العراقية عام 1936 وقد سافر الى بلاد الشام واستقر في لبنان وسافر الى دول الخليج وعاش فترة قصيرة في البحرين وأدى فريضة الحج في السعودية... والتقى ام كلثوم في القاهرة وأهدت له خاتماً ذهبياً., وقد رفد مسعود الساحة الغنائية آن ذاك بـ(44 بسته) المصدر (العامري ثامر عبد الحسن) ومن اغانيه:
1- گصة الموده شعري أريد اگصه اعليك.
2- خويه محمد يا محمد.
3. سوادي يا سوادي.
4- بطويره أريد وياك مگدر على فرگتك وياك اخذني.
5- طش وآنه ألمك.
6- اسكينه يا اسكينه.
7- مر يا حبيبي اشرب چاي وفي عام(1944) توفي مسعود العمارتلي بعد أن نشب الخلاف بينه وبين زوجته (كاملة) وطلبت منه (الطلاق)!! وكان يحبها ويغار عليها من باقي الرجال فدست له السم في طعامه (زرنيخ) فمات مسموماً.. وفي مقابلة لي مع ابن أخيه جليل سعيد قال لي (ان المحكمة وبطلب من أهله طالبوا باعادة تشريح جثته فحفر قبره في النجف مرة ثانية وارسلت الى الطب العدلي وقد ثبت بأنه مات مسموماً).. وقد ذكر لي كذلك أنه كان لديه سندات طابو ملك لدارين في مدينة الكحلاء وقد فقدت منه مؤخراً. وأخيراً أنا لستُ بناقد أو باحث موسيقي ولكنني أثبتُ هذه المعلومات الغامضة من حياة مسعود.. وهكذا انتهت رحلة مسعود الغنائية هذا اللغز السومري الجنوبي ابن ميسان مدينة الأهوار والأنهار والمضايف والإشن وقد ارتبطت ملحمته الغنائية هذه بملحمة جده جلجامش من قبل..
print
العوده



  التعليقات


 
 
 
 
     
   
   
 
Powered By WSI,