بعد أن كان الإهتمام في الدول العربية بالمـأثورات الشعبية منحصراً في دائرة ضيقة اقتصرت على الدراسات والاجتهادات ذات الفردية والبحوث الشخصية، توسع الإهتمام بشكل ملحوظ وأصبح أمره على مستوى الدولة أو على مستوى الصعيد الرسمي بعبارة أدق، إن هذا التطور نحو الإلتفات الى أهمية الماثورات الشعبية لم يقف عند هذا الحد أي إهتمام الدولة ورعايتها للتراث الشعبي، بل ازداد توسعاً، مما حدا بالمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم الى عقد حلقات دورية خاصة به في نطاق الجامعة العربية، وهكذا تطور هذا الإهتمام فأصبح على المستوى الدولي بالنسبة للدول العربية لما للتراث من أهمية بالغة وتأثير ملحوظ في دراسة سبل النهوض بالشعوب العربية من كافة النواحي التربوية منها الثقافية أو الإجتماعية أو الإقتصادية وذلك عن طريق دراسة عاداته وتقاليده ومأثوراته وحرفه اليدوية..
والموضوع الذي نحن بصدده تكمن أهميته بكونه من المأثورات الشعبية التي ارتبطت بوجودها الزمني بالخليفة العباسي أبي جعفر المنصور الذي أمر ولده المهدي بإنشاء الرصافة والتي تقع الشورجة ضمنها، لدخول المواد والسلع المهمة في تجارة هذا السوق فقد تحول الى سوق تجاري نشيط في بغداد إبان القرون العباسية المتأخرة، وزاد من أهميته أن السور الخارجي لدار الخلافة شُيّد موازياً لهذا السوق ليكون مجاوراً لأهم مركز إداري واجتماعي في بغداد كلها، وقد انعكست هذه الميزة الفريدة على تعامله التجاري بين تجاوره وأصحاب المهن والناس لتصبح مثالاً يُحتذى للأمانة وحُسن التعامل التجاري الصادق المنطوي على الالتزام بالتقاليد والأعراف التجارية، بغض النظر عن ميول وقوميات المتعاملين فيها ودياناتهم والتي تمثل السمة البغدادية الاصيلة التي عرفت بها بغداد، وما زال سوق الشورجة أحد أبرز وأهم أسواق بغداد التجارية، القلب النابض للأسواق العراقية في الشمال والجنوب بما يضخه من مواد مصنعة محلياً ومستوردة، برغم ضيقه وصغر محلاته المتعددة والمتنوعة واحتلال (أه الچنابر) وسطه بقي هذا السوق محافظاً على مكانته وشهرته، ولم تتمكن من إلغاء دوره الحيوي الاسواق الحديثة التي شيدت لأنه يبيع بالجملة والمفرد ولكونه يحتفظ بنكهة شهرته القديمة التراثية ويواكب في ذات الوقت التطور التجاري المحلي والعالمي.
لمحة تاريخية:
حينما أمر الخليفةأبو جعفر المنصور ولده المهدي بانشاء الرصافة، لم يكن المقصود بهذا الإسم، إلا مستوطنة صغيرة تضم قصر المهدي نفسه، وبيوت جنده وعدداً من موظفيه وأهليهم في حين كان الجانب الشرقي خالياً من العمران، شغلته بساتين وحقول يزرعها أهل تلك النواحي، باستثناء سوق قديم هو سوق الثلاثاء، جاء في ج3، ص193 من معجم البلدان لياقوت (سُمي بذلك لأنه يقوم عليه سوق لأهل كلواذي وأهل بغداد، قبل أن يعمر المنصور بغداد في كل شهر مرة يوم الثلاثاء، فنسب الى اليوم الذي كان يقوم به السوق)، المتجرون فيه هم أهل القرى المجاورة والزراع القريبون منه، فهو أشبه ما يكون سوقاً زراعياً، مثله مثل أسواق أخرى في المنطقة، لعل أهمها سوق بغداد نفسه الذي كان يقع في الجانب الغربي قرب مسجد براثا (المنطگه)، وكما قلبنا فقد سبقت هذه الأسواق تأسيس بغداد، وحينما امتد العمران من الرصافة في أعلى الجانب الشرقي الى المناطق الجنوبية منه وجدنا القصور الفخمة تشيد على ضفاف نهر دجلة، وقد أحاطت بها حدائق مزهرة، ويفصل بيها وبين دور ودساكر كان يشغلها جند وموظفون وخدم ممن يعملون في خدمنة أرباب تلك القصور مثل قصر المأمون الذي عرف أيضاً بالقصر الحسني وقصر الثريا وقصور متفرقة هنا وهناك.. وهكذا جاورت القصور الأسواق الزراعية مكونة النسيج الاجتماعي والعمراني، الذي سيصبح فيما بعد مدينة بغداد بصورتها التي عرفناها في العصور العباسية الاخيرة، وكان سوق الثلاثاء واحداً من أهم تلك الاسواق، وقد ساعدنا بقاء اسمه المعروف على معرفة موقعه بدقة- حتى بعد أن تغيرت وظائف المكان وتزاحمت فيه المؤسسات المختلفة، فإذا به يشغل حيزاً واسعاً من الجانب الشرقي، يمتد من مدخل شارع الرشيد من جهة الميدان وحتى نهاية سوق باب الآغا.. وبمرور الزمن وكثافة السكن في تلك المنطقة تحولت أجزاء من سوق الثلاثاء الى محلات سكنية جديدة، منها: درب دينار الكبير، ودرب دينار، الصغير ومحلة الحضائر، ومحلة المقتدية وغير ذلك.. أما الجزء الذي ظل محتفظاً بوظيفته التجارية لقد أصبح نواة لأسواق أخرى غلب عليها التخصص. (سوق الشورجة 1936م).
أهم أسواق الشورجة:
وكان أهم تلك الأسواق سوق اشتهر بتخصص بعاته (بتجارة المواد العطرية والتوابل والأفاوية) عرف بسوق الريحانيين، وكان هذا السوق يقع في آخر سوق الثلاثاء، ويمتد على هيئة قوس كبير شرقاً حتى يصل الى محلة عرفت بالمأمونية نسبة الى قصر المأمون وقصر التاج الذي اصبح فيما بعد المقر الرسمي للخلافة العباسية والذي يقع على نهر دجلة، وأطلق اسم المأمونية على المنطقة وهي المنطقة التي تقع بين قصر المامون وتنتهي (بالقشل وصبابيغ الآل والدهانة وما جاورها) قبل أن تنشأ بين هذا القصر والمنطقة محلات سكنية وترتفع اسوار حريم الخلافة العباسية لتبقى المأمونية خارج هذه الأسوار.. ونظراً لأهمية المواد والسلع الداخلية في تجارة هذا السوق فقد تحول الى مركز تجاري نشيط في بغداد إبان القرون العباسية المتأخرة، وزاد من أهميته ان السور الخارجي لدار الخلافة شُيد موازياً لهذا السوق، وأصبح بذلك مجاوراً لأهم مركز إداري واجتماعي في بغداد كلها.. وبظهور المؤسسات الثقافية والفقهية حول دار الخلافة وبجوارها مثل جامع القصر الذي سمي في العصور المتأخرة بجامع الخليفة ثم بجامع الخلفاء، والمدارس الكثيرة التي أسسها الموسورون الفضلاء في النواحي المجاورة ابتغاءً للأجر والثواب، اصبح الطريق الرئيس الذي يصل بين هذه المؤسسات، فعن طريقه يمكن للسالك من سوق الثلاثاء (باب الآغا) أن ينفذ الى الموضع المعروف قديماً بعقد المصطنع (قاضي الحاجات) ومن هناك يمكنه أن يمضي جنوباً باتجاه المامونية (الدهانة، القشل، صبابيغ الآ، سراج الدين) أو أن يمضي شمالاً باتجاه درب الملاحين محلة أبي سيفين وجوارها). لم يكن سوق الريحانيين للتجار وحدهم، وإنما شهد أيضاً إنشاء بعض المؤسسات الثقافية المهمة على أرضه منها (دار الريحانيين) التي شيدها الخليفة العباسي الأخير (المستعصم بالله)، لتكون داراً للعلم والعلماء وأنشأ فيها خزانة حافلة بكل ما هو مهم ونفيس من الكتب في ذلك العصر، وكانت للدار أروقة على نحو ما هو شاهد في مباني- دار المسناة- الناصرية) (القصر العباسي) (المدرسة المستنصرية) ويمكن تقدير موقع دار الريحانيين هذه في مكان يقرب من مدخل الشورجة الحالي حيث كان يقع خان جني مراد، ومن الجدير بالتنويه أن حريقاً شبّ في هذا الخان في أواسط القرن الحادي عشر الهجري، أحدثه يهودي كان يعمل فيه لقصد في نفسه أدى الى انهيار جناح من الخان فانكشف على الفوررواق قديم يضم حجرات قد عقدت على نمط بديع من البناء، والظاهر أن هذا الرواق لم يكن إلا جانباً من دار الريحانيين ذكر ابن الجوزي في ج3 ص196 من منتظمه(وفي ربيع الآخر عام 512هـ احترق سوق الريحانيين وسوق عبدون، وكان حريقاً مشهوداً وكان من عقد الحديد وحمام السمرقندي الى باب درب الضرب وخان الدقيق والصيارفة).. كما احترق الخان (جني مراد) مرتين عام 1938 وفي وسط الأربعينيات.
معتصم زكي السنوي