المشكلة الكبيرة التي تعاني منها شعوب العالم الثالث هي عدم وجود الثقة المتبادلة بين الحاكم والمحكوم ، فحتى لو كان الحاكم جادا في قوله وتصريحاته ووعوده في الكثير من الاحيان ،فان الطابع العام لهذه الشعوب هو عدم وجود مصداقية لدى السلطة القائمة وان ما تدعيه لا تفي الا بالنزر القليل منه .
ان هذا الشك المتبادل قد يتجاوز كل الحدود ويصل الى حد العزوف عن الذهاب الى صناديق الاقتراع بسبب يأس المواطن من الكتل السياسية المرشحة في هذه الانتخابات لعجزها عن توفير ما وعدت به عند طرح برامجها الانتخابية. لذلك فان ردم هذه الهوة بين الراعي والرعية يتجلى في خلق جو الثقة بين الاثنين بحيث يؤمن الشعب بكل ما تتخذه السلطة من إجراءات وقت السلم او وقت الحرب باعتبار ذلك سيصب في خدمة المجتمع الذي جاءت السلطة من رحمه اصلا .
واذا كان هذا الخوف من الناس مبررا احيانا لان نكث السلطات الحاكمة في الدول النامية لوعودها وعهودها بات امرا طبيعيا ، فإن المبالغة في اثارة هذا الجو من الريبة بين الطرفين بمناسبة او غير مناسبة قد لا يعد امرا مستساغا او مقبولا ،لان الدولة قد تضطر فعلا الى تاجيل او تعديل برامجها لظروف قاهرة خارجة عن إرادتها ،خصوصا بالنسبة لدولنا الضعيفة التابعة إقتصاديا وتقنيا وحتى سياسيا الى الدول الصناعية الكبرى اتي تربط حاجات وسياسات الدول النامية بمصالحها تحت العديد من العناوين والمسميات التي لا تخفى على احد .ومن قبيل ذلك ما يفرضه البنك الدولي علينا من سياسات إقتصادية في طليعتها مكافحة التضخم النقدي ورفع الدعم عن بعض السلع وزيادة اسعار سلع اساسية اخرى .
وقد استمعت بإمعان لحديث السيد وزير المالية العراقي مؤخرا بشأن تأجيل صرف الزيادات في الرواتب التي قررتها الدولة والتي اعترض عليها البنك الدولي لانها تؤدي الى زيادة نسبة التضخم النقدي ومطالبة البنك بزيادة اسعار المشتقات النفطية .
ولا اريد هنا الدفاع عن احد ،ولكن جهود السيد وزير المالية والوفد المرافق في الدفاع عن استقلال القرار العراقي بشكل لايثير حفيضة البنك الدولي ولا يمس بالاتفاق المبرم بينه وبين الحكومة العراقية ،والصراع الذي دار بين المدافعين عن العراق واهله ومسؤولي البنك الدولي ، يعد امرا وطنيا لا يجوز التغاضي عنه ، ولا بد من الثناء عليه والاشادة بجهود من يسهر على خدمة بلاده ويسعى لرفع مستوى معيشة ابناء وطنه .
وليس هذا هو بيت القصيد في هذه القضية وانما هو ضرورة البدء بخلق مناخ الثقة بين المواطن والدولة بحيث لا يؤدي اي سلوك رسمي الى الغاء عامل الثقة بين الاثنين . ويتم ذلك من خلال توضيح اللبس وإزالة الغموض وشرح الاشكال بكل شفافية وثقة ، وهو ما قام به السيد وزير المالية العراقي عند اللقاء المتلفز معه مؤخرا والذي اوضح فيه اسباب تاجيل صرف الزيادات في الرواتب وجعلها على دفعتين احدهما تستحق قبل عيد الفطر وثانيهما ستدفع قبل عيد الاضحى ،وان هذه الزيادات موجودة ومقرة ، ولكن تعديل آلية صرفها سيخلص العراق من دفع ( 30 )مليار دولار الى البنك الدولي وهو مبلغ يمثل نصف ميزانية العراق .
وهنا اتمنى على كل مسؤول في الدولة ان يتبع هذا النهج اي شرح وتوضيح ما يصادفه من معوقات في تنفيذ برنامج دائرته حتى يصبح المواطن علي بينة من الامر ولا يكون ضحية للإشاعات المغرضة وللمتربصين بنا الدوائر،خصوصا وان دول العالم الثالث تمتاز بسرعة إنتشار الدعاية فيها وتصديقها بسرعة دون تمحيص او استفسار .
ان المطلوب منا جميعا اعطاء الحجم الحقيقي لمشاكلنا من دون تضخيم اي من دون تعظيم للهنات او المنجزات بل اعطاء الامور ماتستحق فمن اصاب فله اجران ومن اخطأ فله اجر واحد فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته .