تقول اسطورة سيزيف اليونانية القديمة انه كان من آلهة اليونان كما تزعم الأسطورة و اتهم بسرقة النار أو المعرفة من الآلهة وأعطاها إلى الناس العاديين ما أغضب عليه كبير الآلهة (زايوس) فعاقبه بأن يحمل صخرة من أسفل الجبل إلى إعلاه فإذا وصل القمة بمشقة انزلقت الصخرة إلى الأسفل، فيعود مجدداً إلى حملها إلى القمة ، ويظل هكذا إلى الأبد .
لكن العراق ليس (سيزيف) ونتمنى ان لا يكون كذلك ، والعراق لن يحمل صخرته الى الابد ، فكلما بلغ مدرجا ومرتقى عاد ليحمل نفسه وثقله الى القمة من جديد .
عصور ذهبية مرت في العراق ، غير ان تلك العصور والدهور لم تدم طويلا ، وربما تزدهر بضع سنوات حتى تتحول الى ساحات دم حمراء ، فيجف الضرع والنبع ، وتسقط الجثث مثنى وثلاث ورباعا وملايين ما ملكت ايدي القتلة ، لكن المثير ان فترات الزهو في العراق اقصر بكثير من فترات الدم ، فاذا ما طال زمن الزهو سنة او بضع سنين دام زمن البطش والقتل والظلام عقودا ودهورا وقرونا .
لقد كتب على العراقيين ان يحملوا صخرة سيزيف ، لكنهم كانوا اكثر شقاء وعذابا منه ، فهم لم تغضب عليهم الالهة ، وانما غضب عليهم اخوانهم وجاروا عليهم ، وما اعظم من شقاء سيزيف الذي يحمله العراقيون هو ان سيزيف كان شخصا واسطورة ، انما العراق حقيقة ، وكان سيزيف فردا ، وكان العراق شعبا وتاريخا وحضارة ، وكان سيزيف ينتظر موته ليخلصه ، لكن العراقيين كانوا عبر التاريخ يورثون همومهم واحزانهم لابنائهم فيموتون بذات الداء ، وبذات السيف ، وهو سيف الجور والطغيان بين بعضهم .
ربما يتحول السؤال عن معاناة العراقيين الى فلسفة ، فهل سيبقى العراقيون على هذا المنوال ، لا يأكلون ممما تحت اقدامهم من ثروات بل يحرسونها حتى يأتي من يأتي ليحرمهم منها ، وهو ينتظرون وينظرون .
في اسئلة طرحها فلاسفة ومؤرخون وروائيون ومفكرون عبر التاريخ عن معاناة الشعوب ، هل كانت بسبب اشخاص ارتقوا الى مراقي الحكم فقادوا شعوبهم الى الجوع و الموت والحرمان ، ام ان الحتمية التاريخية كانت تقرر ذلك ، وارادات اكبر من اردات البشر ؟ لاشك ان المعاناة ليست حكرا على واحد من هذين الرأيين ، ولكن ، هل يتمكن البشر مثلا ، ان ينقذ نفسه ، من نفسه ، والجواب نعم ، اذا ادرك البشر ان الارتقاء الى مراقي السلطة ، يجب ان لايكون على اساس الفرض والتسلط والاستبداد والغصب ، بل بمشاركة البشر لادارة شؤون انفسهم ، بعيدا عن المصادرة للراي واستحلال ما هو محرم ، وتحريم الحلال ، وفق نظرة لا تتجاوز الفئوية و الجهوية والعنصرية والمذهبية ، وما شابه ذلك من تقسيمات تنتهي الى تناحر يحول البلاد الى صخرة سيزيف التي يحمل ثقلها البسطاء ويسقطون تحتها بسبب صراعات الكبار وطموحاتهم ، لانريد عراقا يشبه سيزف ، فالالهة لم تغضب علينا ، لكن غضب علينا الحالمون بالهيمنة والامارة ولو على حجارة .