من الصعب لوم ملايين الناس من نساء ورجال في العالم الثالث، بخاصة العالم الإسلامي، لتحررهم من وهم الديمقراطية الغربية. فقبل سنوات قليلة، كان الكثيرون في العالم العربي يتصورون أن "الطريقة الأمريكية" ستعزز قوة الجماهير وتساعد على بناء مجتمع يؤسس للحرية والعدل. وهذه التطورات ستولد، في الواقع، الازدهار الاقتصادي. وعلى أي حال،
اكتشف هؤلاء الناس عاجلاً سذاجة تصورهم وتعرضهم للخديعة عندما لاحظوا حقيقة الديمقراطية المطبقة "من الناحية العملية" في أفغانستان، العراق، غوانتنامو، وطبعاً فلسطين.الغالب حصول تفاوت اجتماعي ثنائي فاضح بين ما يدعيه قادة الغرب بشأن الديمقراطية وحقوق الإنسان من جهة، وبين الأفعال الفاضحة من سلوكيات وسياسات، متجسدة في التبشير بالقيم الإنسانية، وفي نفس الوقت ممارسة الفعل المعاكس لها، والتي خدمت فقط تعميق تحرر الناس من وهم "الديمقراطية."في الواقع، شاهدنا جميعاً، على أي حال، أنه بدلاً من دعم الديمقراطية ومكافحة الاستبداد، فعل بوش العكس تماماً بمحاربته للديمقراطية وتشجيع الاستبداد في أجزاء عديدة من العالم، بخاصة العالم العربي. هناك بلدان عربية عديدة تُعتبر حليفة (أو على الأصح دُميّة) للولايات المتحدة، تصاعدت فيها جرائم عنف السلطة تجاه حقوق الإنسان والحريات المدنية مقارنة بفترة ما قبل بداية عهد بوش.أصبح التعذيب في هذه البلدان منتشراً على نحو واسع، وتعمقت فنونه وأساليبه بدفع وإشراف الأمريكان أنفسهم. هذا علاوة على فضائح الخطف والتحقيق والتعذيب rendition بمشاركة أنظمة عربية مع المخابرات الأمريكية. ولتنتهي هذه الأنظمة إلى مجرد سلطات بوليسية قمعية، حيث يواجه المواطنون، حتى عند مطالبتهم بقدر معتدل من الحقوق المدنية والحرية: الاضطهاد، السجن، التعذيب و/أو طردهم من أعمالهم.في بعض هذه البلدان، فإن آلافاً من الناس اقتيدوا كالنعاج ووضعوا في سجون جماعية mass prisons بغية منعهم من المشاركة أو الترشيح في الانتخابات البرلمانية المحلية. وهذه الأفعال تحققت في حين تستمر "الديمقراطيات" الغربية في ثرثرتها بشأن الديمقراطية وحقوق الإنسان.بالنسبة إلى فلسطين المحتلة، بلغت صرخات بوش النفاقية بشأن الديمقراطية "السماء السابعة" العام 2006. وهكذا مارس شعب فلسطين حقّه في انتخاباته البرلمانية ووفق طلبات رجل البيت الأبيض. ولكن عندما انتخب حزباً سياسياً لم يُحبذه بوش (و) شارون- مجرم الحرب- فقد فتحا أبواب جهنم على هذا الشعب الذي أصبح خاضعاً لحصار قاس غير مسبوق منذ حصار جنود هتلر ليهود وارسو Ghetto Warsaw العام 1943.وعندما تعرض أطفال غزة للمجاعة والقتل الجماعي، كما هو مستمر حتى هذه اللحظة، كان رد فعل إدارة بوش بصوت سكرتيرته للخارجية (رايس)- الكذابة وعديمة الأخلاق- unethical & lying- أن قدّمت التهنئة لوزيرة خارجية إسرائيل (ليفني)- المتماثلة لها في الجريمة- على "النجاح الملحوظ" للحصار، قائلة: إن الحصار أخذ "يؤثر بشكل فعال" ونحن سعداء بهذه النتيجة.لكن رايس، بكل المقاييس، لا تساوي شيئاً بالمقارنة مع مادلين اولبرايت سكرتيرة الخارجية في عهد كلنتون، فعندما سُئِلَتْ كيف تُفكّر بمقتل مليون عراقي جرّاء المقاطعة التي كانت تقودها الولايات المتحدة ضد العراق في التسعينات.. أجابت بخبث ودون اكتراث: "إذا كانت الحصيلة جيدة لأمريكا، فإنه استحقاق مقبول."جيد، من المتصور أن هتلر وأمثاله وكافة مرتكبي المجازر الجماعية، سابقاً وحاضراً، كانوا سيقولون نفس الكلام لتبرير جرائمهم ضد البشرية.نعم، تصوّر الكثيرون من الناس أن الديمقراطية الغربية كانت أخلاقية تتجسّد فيها القيم الإنسانية والعدل، لكن الواقع كشف أنها في الغالب لا أخلاقية، ليست فاضلة، بعيدة عن العدل، لا إنسانية.أسأل المدنيين الأفغان ممن أُبيدتْ علائلاتهم ودُمِّرتْ بيوتهم بالقصف الغربي الوحشي لقراهم. أسألهم، كيف يُفكرون بشأن الديمقراطية الأمريكية؟ أسأل العراقيين، حيث تعرضت بلادهم لقصف وتدمير أعادتها إلى القرون الوسطى. أسألهم، هل أن وضعهم حالياً أفضل مما كان في عهد النظام العراقي السابق؟ أسأل الفلسطينيين، إذ يموت أطفالهم بسبب المرض والأوبئة لأن "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط" منعت عنهم الدواء والرعاية الطبية.. أسألهم جميعاً وسيخبرونك بالحقيقة!!طبعاً، ليس بوش بالوغد الوحيد في الساحة. أغلب "ديمقراطيات" أوربا الغربية لعبت أدواراً مخجلة في حروب الإبادة الجماعية بحق فلسطين، العراق، وأفغانستان. وهي جميعها، مع استثناءات قليلة، ساهمت في هذه الجرائم باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان..وتعليقاً ختامياً: من الجهل بنظرية الديمقراطية والتحول الديمقراطي اعتبار الغرب بلداناً ديمقراطية.. كيف يمكن أن تعيش الديمقراطية في ظل الإمبريالية- الاستغلال المحلي والنهب الخارجي- سوى في صورتها الملفقة المطروحة في سياق التنافر بين القول والفعل للحفاظ على مطامعها: الاستغلال والنهب!!؟؟)..