من البديهي أن يتضامن و يتكاتف أبناء الوطن الواحد في زمن الازمات و المحن، فإذا كان التضامن مطلوبا وقت الخير و الرّفاه في الظروف الطبيعية، فإنه أكثر الحاحا عند الشدائد و الصعاب لأن ((الشدائد غربال الناس))، و لا يُعرف معدن الانسان الاصيل الا عند اختباره في المواقف الصّعبة.
ان ما يمر به بلدنا الحبيب الان يتطلب الصبر و التعاون لقهر أعداء الانسانية و أعداء الحياة ممن لا يقر عيونهم و ضمائرهم الميتة الا الخراب و الدمار و الدم النازف على عتبات بيوت الابرياء من الاطفال و النساء و الشيوخ و شوارع و ساحات و زوايا عراقنا الجريح. انها ثقافة الموت التي يعيشها هذا النفر الحاقد على الحياة و الطبيعة. نفر جُبل على ممارسة كل قبيح ، يكره النور و يحب الظلام، لا ينام الا بعد أن يشبع احساسه المنحرف بمناظر الجريمة و بكاء و انين الابرياء.و يتعجب البعض من هول ما يرى في عالم الجريمة الذي صنعه محترفوا جرائم هذا العصر. و يحق للانسان الطبيعي في عيشه و تربيته أن يقف مذهولا أمام ما يرى من جرائم و فنون هذه الحفنة الضالة من البشر ، و لكن من يعرف تربية هؤلاء و ثقافتهم و تاريخهم الاجرامي و فلسفتهم القائمة على التخريب و حب التسلط بالقوة على الاخرين يدرك طبيعتهم و أهدافهم.ان المطـّلع على التاريخ يستطيع الوصول ببساطة الى سر نجاح الشعوب و انتصارها على الطغاة و الجبابرة، و يجد بأن القوة و الثقة بالنفس و الصبر على الاهوال، لا تكفي وحدَها لتحقيق الانجازات التاريخية اذا لم تعزز بتعاون الناس و شد أزر بعضهم بعضا في نواحي الحياة كافة.وبهذه المناسبة لا بد لنا من القول بان الفكر التقليدي الذي يلقي بعبء المسؤوليات على الدولة و اجهزتها فقط، و كأنها اليد السحرية التي تستطيع انجاز المعجزات برمشة عين، يجب أن نعيد النظر به، و نفهم الحقيقة التي لا بد من فهمها، و هي أن الدولة بغير تعاون الناس مع بعضهم من جهة و معها من جهة اخرى باعتباها جزءا منهم و تعبر عن طموحاتهم و آمالهم لا تستطيع أن تنجز مهامها، و إن استطاعت فسيفوت عليها مبدأ السرعة في الانجاز و الدقة في تحقيق الهدف، بينما يحقق أعداء الحياة من خلال هذه الثغرة، الكثير من المكاسب، بسبب سكوت الناس و عدم اكتراثهم بمصالح بلدهم، بحجة وجود الدولة و اجهزتها، و أنها تتحمل المسؤولية كاملةً و تعرف كل شيء ولا داعي لاجهاد النفس و فتح عيون الناس على اعداء العراق و ملاحقة أحلامهم المريضة.ان مثل هذا التفكير السلبي سيزيد من شراسة أعداء الحياة ، و يمنحهم فرصا أكثر على حساب مصالح و أمن الناس جميعا، بما يلحق الضرر بالمجتمع، و منه الساكتون تطبيقا لشعار ((شَعليّة))، بل و ان المصيبة قد تنصب على رأس من أهمل في أداء واجبه في رصد و تشخيص العناصر المشبوهة و أخبار السلطات المختصة عن تحركاتها و خططها الشريرة ، يوم لا ينفع الندم.ان التضامن الاجتماعي الذي يبرز عادة في معاونة الاخ لاخيه من الناحية الانسانية و الاقتصادية و الوقوف معه عند الحاجة في السّراء و الضّراء، يجب أن يفهم اليوم بمعنى آخر و بنطاق أوسع، فالعراق اليوم بحاجة الى نوع جديد من التضامن يتجلى في وقوف الشرفاء من أبناء هذا الوطن من شماله الى جنوبه و من شرقه الى غربه صفا واحدا لبناء وحدة العراق، و الوقوف بوجه الهمجية التي تريد احراق الاخضر و اليابس، دون هدف معروف او آيديولوجية معلنة، سوى العناوين الزائفة التي تتخذ من الدين أو بعض الشعارات عنوانا لها لتنفيذ مآربها البربرية، التي ينأى كل شريف غيور يحب العراق بنفسه عنها. و حينما تجد هذه الكائنات الغريبة على الحياة الطبيعية و الاديان السماوية مثل هذا السد المنيع ستولـّي الادبــــــــار الى غير رجعة، لأنها ستصبح عاجزة عن العيـــــــش في المناخ الطبيعي الذي يخلقه التضامن الاجتمــــاعي بين أبناء الوطن الواحد.