من السهل ان تندلع الحرب فى أفريقيا بخلاف مناطق كثيرة من العالم ، ومن هذا المنطلق فقد أصبحت الحروب الأهلية ظاهرة واسعة الاتشار فى أفريقيا ، حيث امتدت إلى معظم أنحاء القارة ، ويرجع انتشار هذه الحروب إلى مزيج معقد من الدوافع والمتغيرات ، ويتمثل أبرزها فى ضعف الاندماج الوطنى فى أغلب الدول الأفريقية ، وذلك بفعل التخطيط العشوائى للحدود إبان الحقبة الاستعمارية ، مما أدى إلى عدم تطابق الحدود السياسية مع الحدود السكانية فى معظم دول القارة وهو وضع فشلت معظم النظم الحاكمة الأفريقية فى التعامل معه بحكمة وفاعلية ، بل أدت سياساتها إلى تفاقم المشكلة ، واضطر العديد من الجماعات التى شعرت بانها محرومة إلى اللجوء إلى العنف المسلح ، أما لتحسين وضعها فى عمليتى التوزيع للثروة والمشاركة السياسية فى الدولة أو للإنفصال عنها. وفى الوقت نفسه ، فقد وقف المجتمع الدولي فى الكثير من الحالات متفرجاً وعازفاً عن التدخل فى الحروب الأهلية الأفريقية ، أما بسبب ارتفاع التكلفة المادية والسياسية للتدخل فى مثل هذه الصراعات أو بسبب ضعف الأهمية الاستراتيجية للقارة الأفريقية خاصة فى فترة ما بعد الحروب الباردة أو بسبب قصور نظام الأمن الدولى ذاته لذلك كله ، اتسع نطاق الحروب الأهلية فى أفريقيا ، كما تعددت أشكالها ، فبعض هذه الحروب يرمى إلى الأنفصال عن الدولة ، وبعضها الثانى له دور حول الصراع على السلطة..وتتسم ظاهرة الصراعات الأهلية في القارة الإفريقية بأنها ظاهرة معقدة سواء فيما يتصل بخلفياتها وأسبابها، أو فيما يتصل بنتائجها وتداعياتها. فعلى صعيد الأسباب لعبت العديد من المتغيرات دوراً في اندلاع الحروب الأهلية. ويمكن تصنيف هذه المتغيرات في مجموعتين رئيسيتين تتعلق أولاهما بالبيئة الداخلية مثل الطبيعة التعددية للمجتمعات الإفريقية: العوامل الاقتصادية والسياسية. أما ثانيهما فتتعلق بالبيئة الخارجية وما يرتبط بها من دور للقوى الدولية والإقليمية في الصراعات الإفريقية.
منهجية ومضمون الدراسة
الدراسات السابقة:
يعتبرموضوع الحروبات الأهلية فى أفريقيا من أكثر الموضوعات الأفريقية التى حظيت بالعديد من الدراسات والتحليلات وأصبحت مثار اهتمام كبير من قبل الباحثين السياسيين وكافة مراكز الدراسات السياسية والاجتماعية وصدرت بشأنها عشرات الدراسات ، وكما تزخر المكتبة العربية والأفريقية والعالمية بالعديد من المؤلفات حول هذا الموضوع ، ويضاف لهذا فقد تناولت عددا مقدرا من الدوريات والصحف والمواقع الالكترونية على شبكة المعلومات الدولية ( الانترنت) موضوع الدراسة بالشرح والتحليل. ويمكن للباحث أن يستند فى هذا البحث على عدد من المؤلفات والدراسات والندوات والمحاضرات أبرزها ما دار فى المحاضرة التى قدمها د. محمود أبو العينين، حول " الجذور التاريخية للمشكلات الإفريقية المعاصرة "، بالمجلس الأعلى للثقافة بالاشتراك مع معهد البحوث والدراسات الإفريقية، القاهرة و الهيئة العامة للكتاب حيث استعرض المحاضر الجذور التاريخية للمشكلة الأفريقية ومسبباتها. وكذلك مؤلف الكاتب أحمد إبراهيم محمود بعنوان:" الحروب الأهلية في إفريقيا"، وفيه قدم العديد من التعريفات لظاهرة الحروب الأهلية كما وردت فـي هالة جمال ثابت ، الفقر فى أفريقيا ..خصوصيتة واستراتيجية اختزاله ، مجلة قراءات افريقية ، العدد الثانى سبتمبر 2005الأدبيات السياسية. يضاف لهذا مؤلف الدكتور حمدي عبد الرحمن بعنوان: التعددية وأزمة بناء الدولة في إفريقيا الإسلامية ، ويتناول فيه الكاتب مسألة التعددية فى أفريقيا وإخفاقاتها فى بناء الدولة الأفريقية الحديثة جراء الصراعات القبلية والعرقية التى تعج بها القارة الأفريقية. ومن بين الدراسات ايضا مؤلف د. صبحي قنصوة بعنوان: العنف الإثني في رواندا وتناول فيه ما دار فى دولة رواند كنموذج لدور العامل الأثنى والعرقى فى تأجيج الصراع الأهلى الذى شهدته رواندا والذى انتقل الصراع فيها الى مرحلة الإبادة الجماعية والتطهير العرقى. يضاف كذلك مؤلف د. السيد فليفل، بعنوان : الحروب الأهلية في إفريقيا: محاولة للتفسير التاريخي حيث تناول الكاتب بالسرد والتحليل المجريات التاريخية للحروبات الأهلية للقارة الأفريقية ومسبباتها. ومن أهم الكتابات الدراسة التى نشرتها (مجلة آفاق أفريقية) للكاتب خليل العناني تحت عنوان : العوامل الداخلية لتآكل مؤسسة الدولة في إفريقيا ، وفيه أبرز الكاتب عددا من العوامل النابعة من البيئة الداخلية للدولة الافريقية وأثرها فى تآكل الدولة ثم انهيارها .ويتصدر هذه الدراسات الدراسة التى كتبتها الأستاذة رانيا حسين المعيدة بمعهد البحوث والدراسات الأفريقية ونشرت بمجلة (السياسة الدولية) بعنوان: خلفيات الحروب الأهلية في إفريقيا ، حيث تعرضت الكاتبة بالتفصيل للعوامل الداخلية والخارجية التى أسهمت فى تأجيج الصراعات والحروبات الأفريقية وكذلك التداعيات التى خلفتها هذه الحروبات.وكذلك مؤلف الكاتب أحمد ابراهيم محمود بعنوان : الروب الأهلية فى أفريقيا ، وفيه استعراص لكافة أنواع الحروب التى شهدتها القارة الأفريقية خلال الفترة الماضية بالشرح والتحليل وتحديد المسببات والافرازات.
مشكلة الدراسة:
يتعرض هذا البحث الى النقاط التالية :
* التعريف بشكل موجز بالحروبات الأهلية التى شهدتها وتشهدها القارة الأفريقية.
* معرفة العوامل والمتغيرات المحلية والاقليمية والدولية التى أسهمت فى اندلاع هذه الحروبات وما خلفتها من آثار أمتدت لتشمل كافة مناحى الحياة لتكون المحصلة النهائية التخلف والدمار الشامل والفقر المدقع.
فرضية الدراسة:
هناك حروبات شهدتها وتشهدها القارة الافريقية أثرت فى تخلف دول وشعوب القارة وينبغى وقفها وتلافى انعكاساتها المستقبلية.
هدف الدراسة:
يهدف هذا البحث الى التنبيه بنوع الحروبات التى دارت ولا زالت تدور فى العديد من مناطق ودول القارة الافريقية وأثرها على القارة الافريقية وانسانها ، وفهم أبعادها المختلفة والتفاعل معها والتأثير بها ، وما ينبغى القيام به لوقفها، وذلك من خلال الدعوة الى اعتماد موقف أفريقى من خلال منبر واحد يكون هو الاتحاد الافريقى ويحمل فى طياته استراتيجية الحل الشامل والنهائى لكل حرب تقع . وهذا الموقف يجب ان ينبنى على عدد من الركائز الواقعية والموضوعية.
أهمية الدراسة:
إن التطرق إلى الحروبات الأهلية التى شهدتها وتشهدها القارة الأفريقية أمر ينطوى على جانب كبير من الأهمية لما له من آثار مباشرة وغير مباشرة فى عجز القارة وشعوبها عن التقدم والتطور وذلك بالنظر الى المتغيرات والعوامل الداخلية والخارجية والحقائق التالية:
1-الموقع الاستراتيجى الهام للقارة الأفريقية وما يوجد فى باطن أرضها من ثروات تجعلها محل أطماع الدول الكبرى وبالتالى تعمل هذه الدول بشكل أو آخر فى التدخل لأجل اندلاع الحروب الأهلية لتجد لها موطئ قدم وتستأثر بهذه الثروات.
2-تتسم الحروبات الاهلية للقارة الأفريقية بطبيعة بالغة التعقيد نظرا لتعدد أبعاد ومستويات كل حرب تندلع وظاهرة التنوع العرقى وتعدد القوميات داخل الدولة الواحدة وتباين ثقافاتها وحضارتها، ولهذا تعددت أشكال الصراع والحروبات تراوحت ما بين الحروب النظامية واسعة النطاق والحروبات الأهلية والانقلابات العسكرية..
3-ورثت معظم أو تكاد تكون جل دول القارة عددا من القضايا ترجع جذورها الى مرحلة ما قبل الاستقلال.
4-استمرار التدخل الخارجى منذ نهاية الحرب الكونية الثانية والى اليوم فى الشئون الداخلية لدول المنطقة وما يترتب عليه من أثر بالغ فى اشتعال هذه الحروبات..
طبيعة ونوع الحروبات الأهلية فى أفريقيا:
أثقلت ظاهرة الصراعات الداخلية، والصراعات فيما بين الدول الأفريقية تاريخ القارة منذ الاستقلال. وتبدو خطورة الأوضاع المتردية التي تعاني منها أفريقيا في هذا الإطار من متابعة حجم الصراعات الدموية التي عانت منها القارة في الفترة الأخيرة. وشهدت القارة 16 صراعاً داخلياً من ضمن 35 صراعاً من هذا النوع على مستوى العالم في منتصف التسعينيات، وظلت أفريقيا تستأثر بأكبر عدد من الصراعات الداخلية خاصة خلال عامي 1998م و 1999م على مستوى العالم، وعددها 25 صراعاً داخلياً. وفي عقد التسعينيات توفي ما بين اثنين إلى أربعة ملايين قتيل في تلك الصراعات، وفي عام 1993م وحده نزح نحو 5.2 مليون لاجئ و 13 مليون مشرد في القارة الأفريقية. وهكذا أدت الصراعات الداخلية إلى تكثيف الحروب الأهلية الدموية، وتشريد أعداد هائلة من الأفراد، ومن المأسوي أن 90% من ضحايا هذه الصراعات من المدنيين لا العسكريين، ونصف هؤلاء من الأطفال؛ مما يمثل تهديداً مستمراً لاستقرار الدول الأفريقية مع ما يمثله من خطورة عبور الصراع للحدود الدولية للدولة للتأثير على أمن واستقرار الدول الإقليمية المجاورة . وتظهر خطورة ظاهرة الصراعات والنزاعات الداخلية من آثارها السلبية على مختلف الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية في المجتمع. فالدول التي تعاني حالة مستمرة من هذا النوع من الصراع غالباً ما تعجز عن تنفيذ السياسات الاقتصادية، والاجتماعية طويلة الأجل، فتصبح الدولة فريسة لحالة تدهور، وعجز اقتصادي مستمرة تهدد أي أمل لتحسين حالة المعيشة لمواطنيها. فقد أخفقت أغلب خطط التنمية الاقتصادية بالرغم من تدفق المنح، والقروض، وغيرها من المساعدات المالية أو المعونات الفنية، والتي وصلت إلى ملايين الدولارات، وفقدت العديد من الأنظمة الحاكمة في أفريقيا مشروعيتها؛ نتيجة لعجزها عن حماية مجتمعاتها من كوارث المجاعة، والقحط، والصراعات الأهلية، والتصحر وما إلى ذلك من الكوارث القومية..ومن أمثلة أنواع الحروب الأهلية فقد شهدت جمهورية الكونغو الديمقراطية حرباً إقليمية كبرى شاركت فيها عشرة دولة أفريقية وهو ما دعا البعض إلى وصفها بأنها الحرب العالمية الأفريقية الأولى. كما شهدت المنطقة من جنوب السنغال وحتى ليبريا حروباً وصراعات أخرى تورطت فيها نحو خمس دول أفريقية أخرى. ولا شك أن هذه الصراعات الأفريقية تؤدي إلى تدهور اقتصادي وانهيار لمؤسسات الدولة إضافة إلى شيوع ثقافة العنف والفساد في هذه المجتمعات. وعلى صعيد آخر فإن بعض الدول الأفريقية الأخرى لا تزال تشهد صراعات عرقية عنيفة مثل: رواندا، وبوروندي، وأوغنده، وتشاد، وجيبوتي، والسودان، أضف إلى ذلك فإن هناك بعض الدول الأفريقية التي تعاني مخاطر عدم الاستقرار السياسي وانهيار الدولة.
الفصل الثانى:
العوامل والمتغيرات الداخلية والخارجية:
المبحث الأول:
العوامل ذات الصلة بالبيئة الداخلية للمجتمعات الإفريقية.
تتميز العوامل المؤدية إلى اندلاع الحروب والصراعات الأهلية في إفريقيا بالتعقيد الشديد، وفيما يلي محاولة لتناول هذه العوامل من خلال تقسيمها إلى محورين رئيسيين يتناول المحور الأول العوامل ذات الصلة بالبيئة الداخلية للمجتمعات الإفريقية، بينما يتناول المحور الثاني العوامل ذات الصلة بالبيئة الخارجية.وثمة ملاحظة ينبغي الإشارة إليها في هذا الإطار وهي أن العوامل المؤدية لبروز ظاهرة الحروب الأهلية في المجتمعات الإفريقية هي في واقع الأمر عوامل متداخلة يصعب الفصل بينها واقعياً عند تحليل ودراسة الحالات المختلفة للحروب الأهلية في القارة، ومن ثم يظل الفصل بين هذه العوامل هو فصل تحتمه اعتبارات الدراسة؛ إذ إن تحليل ظاهرة الحروب الأهلية في القارة تكشف عن تداخل يعتد به بين هذه العوامل.
1-العوامل الإثنية:
تتميز المجتمعات الإفريقية بتعدد أشكال وأنماط التعددية سواء كانت تعددية إثنية أو لغوية أو دينية. فعلى صعيد التعددية اللغوية توجد في إفريقيا أكثر من ألفي لغة ولهجة، إلا أن هذا العدد يمكن تقليصه إلى نحو خمسين لغة رئيسية إذا ما تم تجميع اللغات واللهجات المتشابهة، والاقتصار على اللغات الرئيسية. جاء ليس نتيجة لظاهرة التعددية في حد ذاتها، وإنما نتيجة لتفاعل مجموعة من العوامل والأسباب، ومنها:
أ - عوامل تاريخية: يرتبط هذا العامل بنمط العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بين الهوتو والتوتسي قبل وخلال الاستعمار؛ إذ تميزت هذه العلاقة قبل الاستعمار بعدم المساواة؛ فسياسياً سيطر التوتسي على هرم السلطة التقليدي، كما سيطروا على مصادر الثروة التقليدية، وتمكنوا من إخضاع الهوتو - اقتصادياً واجتماعياً من خلال ما يعرف بعلاقة "التابع والمتبوع". تمثلت في تراكم تراث كبير من الأساطير والروايات الشعبية، تكرس فكرة الأصل المقدس للتوتسي وحقهم الطبيعي في الحكم والقيادة، وقد واصل الاستعمار تغذية هذا الميراث.
ب - عوامل ثقافية:
ج - عوامل سياسية:
تتعلق بطبيعة واتجاهات النخب السياسة الإثنية ومدى استعدادها وقدرتها على توظيف الانقسامات الإثنية لتحقيق أغراضها السياسية.وقد شهدت القارة الإفريقية تسييساً للظاهرة الإثنية، من حيث تشكيل الأحزاب السياسية على أسس إثنية وما يترتب على هذا الأمر من تمثيل المصالح والتعبير عنها، بل وتوزيع الثروة والسلطة وفقاً لهذه الأسس.
2-العوامل الاقتصادية:
على عكس الاعتقاد السائد بأن الحروب الأهلية في إفريقيا تعود إلى التعددية الإثنية بالأساس؛ فإن دراسة قام بها البنك الدولي استهدفت الحروب الأهلية في 161 دولة بين عامي 1960 ـ 1999م أوضحت أن العوامل الاقتصادية تلعب دوراً هاماً في إشعال الحروب الأهلية في القارة الإفريقية(1).وتعاني القارة الإفريقية من تخلف اقتصادي واضح، ينعكس في العديد من المؤشرات مثل: 1- تدني معدلات النمو الاقتصادي..
2-المستويات العالية للفقر.
3-تفاقم الديون.
4-تدني متوسطات دخول الأفراد.
5-تدني مستوى البنية التحتية.... إلخ.
ويعتبر التخلف الاقتصادى سبباً مباشراً لنشوب الحروب الأهلية؛ إذ إن محدودية القدرات الاقتصادية للدول الإفريقية تؤدي بالضرورة إلى عدم العدالة في توزيع الموارد الاقتصادية بما يعنيه ذلك من استجابة الأنظمة لمطالب جماعات بعينها على حساب جماعات أخرى، ومن ثم تنشب الصراعات الأهلية إما من قِبَل الجماعات التي تسعى للحصول على نصيب من "الكعكة" أو من قبل الجماعات التي ترغب في استمرار حصولها على الامتيازات الاقتصادية بمفردها دون مشاركة الجماعات الأخرى.وعلى الرغم من أن الاختلالات الهيكلية التي تعاني منها القارة الإفريقية اليوم هي نتيجة مباشرة للاستعمار الذي سعى لأن تكون اقتصاديات الدول الإفريقية مجرد اقتصاديات متخلفة تابعة للمراكز الرأسمالية العالمية بما يضمن تقدم هذه الأخيرة. إلا أن السياسات الاقتصادية للدول الإفريقية المستقلة ساهمت هي الأخرى بقدر كبير في تعميق مشكلات الصراعات الأهلية؛ إذ اتبعت الدول الإفريقية المستقلة حديثاً سياسات اقتصادية تمييزية، استهدفت في الغالب إرضاء الجماعات الإثنية التي ينتمي الرئيس أو النظام الحاكم، بما يعنيه ذلك من غياب للعدالة التوزيعية للسلع والخدمات فضلاً عن المكانة والمناصب السياسية والمراكز الإدارية، وهو الأمر الذي عمق مشكلة الاندماج الوطني في المجتمعات الإفريقية.وفي التسعينيات، تفاقمت الأزمة الاقتصادية في الدول الإفريقية نتيجة اتباع هذه الدول سياسات وبرامج التكيف الهيكلي والإصلاح الاقتصادي وهو ما أدى إلى ارتفاع معدلات البطالة، وانخفاض الأجور الحقيقية. وتعتبر (سيراليون) نموذجاً للصراعات الأهلية التي اندلعت في التسعينيات على خلفية تدهور الأوضاع الاقتصادية، وليس أدل على تردي الأوضاع الاقتصادية في سيراليون من تصنيفها في تقرير التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة باعتبارها أفقر دولة في العالم؛ وذلك بوجود 65% من المواطنين تحت خط الفقر.ولقد شكلت الحروب الأهلية في أحد جوانبها صراعاً من أجل الثروة والمكاسب الاقتصادية التى أصبحت هدفاً في نفس الوقت؛ فهي هدف في ضوء الظروف الاقتصادية السلبية والقاسية السابق الإشارة إليها، وهي في نفس الوقت أداة لتمويل الاحتياجات العسكرية للجماعات المتصارعة، ومن ثم فإنه ليس من قبيل المصادفة أن تنخرط ثلاثة دول على الأقل من الدول الست الرئيسية المنتجة للماس في إفريقيا في حروب طاحنة سواء بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر. وقد أوضح رئيس البنك الدولي أن الماس يمول نحو 75%من الحروب في إفريقيا، ولعل هذا هو ما دفع مجلس الأمن إلى إصدار القرار رقم 1306 للتحقيق في العلاقة بين الاتجار في الماس والاتجار غير المشروع في السلاح. وفي (أنجولا)، هدفت حركتا (يونيتا) (ومبلا) إلى السيطرة على مناطق شمال شرق البلاد الغنية بمناجم الماس والثروات الطبيعية، وبالفعل نجحت يونيتا في ذلك، واستغلت عائدات هذه الثروات في إدارة صراعها مع الحكومة.وتجدر الإشارة إلى أن استغلال الثروات الطبيعية لا يكون هدفاً للجماعات المتصارعة فقط، بل يكون أيضاً هدفاً للقوى الخارجية التي تتدخل في النزاعات الأهلية مدفوعة بمصالحها الاقتصادية. فالولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال اهتمت بالتدخل في الكونغو الديمقراطية في الستينيات والسبعينيات من اجل حماية استثماراتها في إقليم كاتنجا (شابا).
الخاتمة:
نتائج الدراسة:
كان لظاهرة الصراع داخل القارة العديد من الأسباب، أهمها: التنافس على الموارد النادرة، والفقر، وحرمان المواطنين الأفارقة من ممارسة حقوقهم السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، وفوق كل ذلك كانت الحرب الباردة من أهم أسباب اشتعال الصراع داخل القارة. وكانت النتيجة أن أصبح 4% من سكان القارة ـ ما يقرب من 23 مليون نسمة ـ من اللاجئين، والنازحين. وقد تسببت هذه الصراعات في تآكل جهود سنوات من التنمية الاقتصادية والبشرية في العديد من الدول الأفريقية، مثل: رواندا، والصومال، وليبريا، وأنجولا. وأدّت ظاهرة الصراع في القارة الأفريقية إلى زيادة الفقر، سواء على مستوى الدخل أو على مستوى القدرات البشرية في أكثر من 12 دولة أفريقية جنوب الصحراء. وكانت النساء والأطفال من أكثر الفئات تأثراً بهذه الظاهرة؛ حيث قدرت منظمة اليونيسيف نسبة القتلى بما يفوق 60% من ضحايا هذه الصراعات. وهو ما يهدد جهود التنمية في القارة على المستوى القريب والبعيد على حد السواء.يتضح مما سبق أن ظاهرة الصراعات الأهلية هي ظاهرة بالغة التعقيد تتعقد فيها الأسباب والعوامل الداخلية والخارجية، وتتداخل فيها الأسباب والنتائج، مما يتطلب منهجاً شاملاً ورؤية متكاملة عند التعاطي مع هذه المشكلة. بيد أن البحث عن حلول لتسوية مشكلة الصراعات الأهلية التي تضرب القارة منذ عقود خلت تتطلب الأخذ في الاعتبار خصوصية هذه الصراعات التي تعتبر صراعات ممتدة بالغة التعقيد لأنها ترتبط بتمايز هوية وثقافة الجماعات التي تشكل أطرافها الفاعلة وهو ما يتطلب مجموعة من الحلول الخاصة تراعي هذه الخصوصية، وتضع نهاية لهذه الظاهرة بالغة الخطورة على الساحة الإفريقية.