Logo

 


مجلس المخزومي الثقافي إنموذجاً المجالس الادبيـــة من قصـــورالخلفـــاء والامـــــراء الى بيـــــوت الادبـــاء من عـــامة الشـــعب..
02:14
07
October
2008
طباعة ارسال بالبريد الالكتروني    
د.عادل المخزومي
أنعم الله سبحانه على العراق كثيراً من النعم ومنها النعم الفكرية اذ انبلج شعاع الفكر في البصرة والكوفة وبغداد..وما لبثت بغداد الا فترة وجيزة حتى غدت منبعاً للعلوم من جهة ومصباً من جهة اخرى،

اذ يقول المستشرق دي بور((.... كانت قصور المنصور ملتقى الشعراء والعلماء..)) حيث يجدون ضالتهم كما قيل((الحكمة ضالة المؤمن)) أما المأمون فقد اخذ حينها خطوته الجديرة بالاحترام في التقرب الى العلماء ومصاحبتهم واجلالهم لتكسبه الحكمة القائلة((نعم الملوك على ابواب العلماء وبئس العلماء على ابواب الملوك)) ولما امر به لترجمة علوم الغرب والشرق الى العربية.ومثله الصاحب بن عباد وغيرهما ممن كان ديوانه ملتقى العلماء والمفكرين ليكون ساحة ومضماراً يتبارى في تلك المجامع الثقافية رواد المعرفة والحكمة والشعر والمعارف الاخرى المختلفة والمتنوعة حتى وصلنا هذا الارث الجليل من الاجداد والاباء نأمل ان يتخذه الابناء والاحفاد كنزاً يعتزون به وارثاً يعلو على المواريث كلها.لقد مرت علينا السنون ونحن نتخذ من بيوتاتنا مقراً يلتقي فيه النخبة المثقفة لطرح شتى انواع المعارف من خلال الدراسات المقدمة من قبل المحاضرين وكل حسب اختصاصه.وفي رجوعتا الى ايات القرآن الكريم سنجدها قد تضمنت كثيراً من التوصيات بالتعقّل والتبصّر والتدبّر والحكمة.كانت المجالس صومعة يتهجد في محاريبها الفلاسفة والمتكلمون والفقهاء والمفكرون معتزلة واشاعرة ومرجئة وغيرهم من اصحاب العقائد والنظريات فقد كانت منبراً للكندي والفارابي وصولاً الى الغزالي ومنه الى ابي البركات مروراً بيحيى بن عدي وابي حسن العامري وابي سليمان المنطقي،وابي حيان التوحيدي وابن الخمار ومسكويه وغيرهم.
انواع المجالس:
يقول شيخ المؤرخين العلامة الدكتور حسين امين (ان المجالس مدارس وهي بيوت ثقافة يطرقها كل محب للعلم ورائد للادب..)لقد انتشرت المجالس في عدد من محافظات العراق ولهذه المجالس تسميات متعددة فهي في الريف تسمى(مضايف) وفي مدن الجنوب والوسط تسمى(الربعة او الديوانية) وفي المجف الاشرف وكربلاء تسمى(البراني) وفي بغداد اخذت تسمية (المجالس الادبية الثقافية) ولها تسميات اخرى.اما (البراني) في النجف وكربلاء فقد اعدها اصحابها لاقامة المناسبات الشعرية والادبية والمناسبات الدينية وليالي الجمع لاستذكار سيد الشهداء الامام الحسين(ع) التي كانت ومازالت وستبقى ذكراه خالدة في مناسبات المسلمين الدينية وغير الدينية. حتى دأب بعضهم يشدو في مناقب آل البيت(ع) في مناسبات الزواج والختان واستقبال العائدين من الحج او السفر بعد زمنه لابل حتى العائد من مشفى بعد تطببه وشفائه.
رواد المجالس:
بعد ان عرضنا انواع المجالس صار من الضروري بيان شيء عن روّاد هذه المجالس التي تعنى بالثقافة خاصة،فلو ذهبنا الى(البراني) فسنجد اغلب بيوتات مدينة النجف الاشرف وكربلاء والحلة تضطم على غرفة لها مواصفات تختلف عن الغرف الاخرى في نفس البيت من حيث انعزالها عن ملحقات بيت العائلة ومن حيث التصميم والمساحة والملامح الهندسية الاخرى وكثرة عدد الابواب لتدلل على كرم صاحبها في استقباله ضيوفه وكثرة عددهم.اتخذت هذه الغرف ساحات يتربع على جنباتها جبابرة الفقه واصحاب الكلام والتحليل والنقد والشرح كما يصول فيها فرسان الشعر والخطابة.هذه الساحات كانت ومازالت منابرها تتسم بالروح الوثابة لرفع شان الكلمة الحرة والفكرة النزيهة وهي المدارس الاولى للاخلاق والمثل والقيم الانسانية التي امر الله سبحانه بها.ليس غريباً ان يكون للنجف الاشرف(برانيّات) او (مجالس ادبية) في بيوتات اهلها، الذين هم ورثة فكر اهل النص والرواية، ورثة فكر الفقهاء والمحدثين والقراء منذ انشاء الكوفة سنة 17 هـ وتأصيلها بالمعرفة عام 36هـ عند تشريفها بنزول المنظر الاول للفلسفة. وواضح قواعدها الامام علي(عليه السلام) حين اتخذها عاصمة للاسلام ومن بعده المئات من المجتهدين ممن تتلمذ في مدرسة الامام الصادق(ع) (ت 148هـ/765م) وفيها ترعرع ونما فكر ابي حنيفة النعمان بن ثابت(ت 150 هـ /963م) والصوفي الزاهد سفيان الثوري (ت 164 هـ/778م) قبل انتقالهما الى بغداد.وفي انتقال خطواتنا الى المجالس الادبية في بغداد او في المحافظات الاخرى، فسنجدها ليست مبتعدة في توجهاتها عن المضيف او الديوانية او البراني، بل هي جامعة لامة لشمائل تلك التسميات وانشطتها وفعالياتها. خاصة في سمات النخبة من روادها الذين لهم الباع الاكبر في الثقافة والمعارف المختلفة هذه المجالس الادبية كانت ومازالت الرئة الثقافية الصافية التي يتنفس من خلالها النخبة الرائدة للثقافة.تصدح في افنائها ما يصوغه العلماء من آراء ونظرييات وطروحات علمية مختلفة كما يتعالى من على منابرها شدو الشعراء بقصائدهم الشعرية المؤثرة ليؤدوا صوراً رائعة لتاريخ المناقسات التي تقام الندوات لاجلها فقد وصفت هذه المجالس بانها ((مدارس استاذتها وطلابها هم العلماء)).كما ليس غريباً على بغداد بما كانت عليه قبلة الوافدين عليها من العلماء والادباء حتى غدت مركزاً للعلم والعلماء ومكان الحكمة والحكماء كما يقول ابن الفقيه ابو بكر محمد بن احمد الهمداني.فالمجالس الادبية التي كانت تقام في بيوتات الخلفاء والامراء والوزراء كانت منبراً لاصحاب الفكر في جدالاتهم ومناظراتهم التي كان يقوم بها هؤلاء من امثال اسحــــــــــــــق بن ابراهيم بن سيار النظّام(ت 221 هـ/ 845م) واستاذه ابو الهذيل محمد بن الهذيل العلاف (ت 227 هـ /840م) وما كان يدور في مجالس العلماء من طروحات فكرية بين علماء النحو واللغة والمنطق والكلام والاصول والحكمة فضلاً عن وجود الشعراء الذين يوثقــــــــــون الاحداث مديحاً ورثاءً وهجاءً ليكون تأريخاً موثقاً لمجريات الاحداث.ولعل من المناسب اقتباس ما قاله نخبة من العلماء في احد هذه المجالس الذي((ينتظم فيه صفوة الصفوة من اعلام العراق)) كما يراه شيخ بغداد العلامة د.حسين علي محفظوظ.اما العلامة السيد جواد الشهرستاني فأنه(رحمه الله) يرى ان رواد هذا المجلس(هم علية الافاضل والاجلاء الاماثل الذين يحضرون للاستماع والاستمتاع بما يلقى من موضوع علمي او ادبي او عن شخصية من اعلام القطر).هذه المجالس كانت وستبقى محفلاً ثقافياً اجتماعياً وعلمياً كما يقول علامة التصوف الدكتور كامل مصطفى الشبيبي(رحمه الله) ((تمتزج فيها الثقافات المتنوعة للمثقفين الذين يمثلون التطلعات الشاملة في كل الاتجاهات الثقافية)).اما ((رواد هذا المجلس فهم المحامون ،الاطباء، الادباء، الكتاب، المؤلفون، الاساتذة، الشعراء من مختلف الاعمار والاجيال))كما يقول المرحوم الدكتور كاظم السعيدي.ولم يكن زعماء القبائل ورؤساء العشائر ووجها المجتمع بعيدين عن هذه المجالس فهي ملتقى دائم لهذه النخب كل اسبوع وشهر يلتقون به مع اخوانهم ومعارفهم.ونقتبس عن المرحوم الدكتور صالح مهدي الهاشم مما قاله في المجلس المذكور حيث يقول((... تاريخ هذه الندوة الثقافية. . تمازج وتشابك بتاريخ النجف الذي نقرأ فيه من جملة ما نقرأ:تأريخاً فذاً للعلوم،للفقه،لاصوله،للحديث النبوي الشريف وعلوم القرآن،للكلام،للعقائد،نقرأ فيه الشعر والادب بل نقرأ فيه:ناريخ الجامعة العربية الاسلامية الشامل...).واقتبس ايضاً بعض الابيات من قصيدة طويلة ارتجلها العلامة الدكتور احمد الكبيسي مشيداً بالمجلس المذكور ورواده:
يا سادة الحفل،والايام شاهدة   
ويشهد الله والتاريخ والسلف
بأنكم خير من يهفو لهم نظر
وخير من تعشق الاقلام والصحف
نسجتم من قصيد الفكر قافية
بها تُغني عقول وهي تعتكف
الى ان يقول:
باب على المجد ما للناس من
سبب اليه،الا اذا من بابه دَلًفُوا
وانما المجد عقل لا الْتِواءَ له
وفكرة من رياض العقل تقتطف
ونختم بمسك الكلام،فيما قاله الشاعر الكبير الاستاذ السيد علي الحيدري في رؤيته للمجلس نفسه:
ونُعيدُ للاذهان حكمة شاعر
(لك يا منازلُ في القلوب منازلُ)
هي روضة لالي النهي معطارة
ما امها الا حليمٌ فاضـــــلُ
هي نفحةٌ النجف الاغرّ،نشيده
تشدو به فوق الغصون بلابل

 
هل ستشارك في انتخابات مجالس المحافظات المقبلة ؟

نعم
كلا
 
 
اشتراك
الغاء الاشتراك