في ذكرى رحيله السبعين.. مالم يعرف عن نوري ثابت
تمر يوم الأحد المقبل المصادف 2008/10/12 الذكرى السبعون لرحيل رائد الصحافة الساخرة نوري ثابت المشهور بحبزبوز، ونحن في ملحق “المتفرج” الساخر” إذ نستذكر هذا الصحفي اللامع والكاتب الفذ الذي صارع السلطة بأحزابها وشخوصها والاستعمار البريطاني آنذاك إنما نتذكر كل الأوائل الذين تعاملوا بالحرف الجريء من أجل الوطن والشعب اعتزازاً بما قدموه.
حياته:
ولد نوري ثابت في السليمانية عام 1898م من أبٍ عربي من محلة _بني سعيد- شارع الكفاح) حيث ينتهي نسبه الى قبيلة قيس العربية. وكان ضابطاً في الجيش لعثماني برتبة (عقيد)، نشأ نوري في السليمانية وتعلم اللغة الكردية قبل العربية فيها وعندما عاد أبوه الى بغداد أدخله المدرسة الرشيدية ثم الاعدادية الحربية التي تؤهله لحمل رتبة (ملازم ثان).. وعندما اعلنت الحرب العالمية الأولى كان نوري ثابت في الصف المنتهي من الاعدادية فمنح رتبة ملازم ثان قبل تخرجه وسيق الى ميدان القتال وأسهم في الحرب وجرح فيها ثلاث مرات وظل يحمل رصاصة في يده اليمنى حتى عام 1924 عندما اخرجت بجراحة أجريت له في بغداد وقد أثرت عليه بحيث اضطرته لأن يمسك القلم بشكل غير طبيعي عند الكتابة، وبعد أن وضعت الحرب أوزارها عاد الى بغداد ليعمل مدرساً في المدرسة الجعفرية ثم التفيض وكانتا أهليتين بعدها التحق بوزارة المعارف وعيّن مدرساً في دار المعلمين الأولية وتعهد بالحركة الكشفية فيها وعندما وجد أن الايعازات وتفاصيل التدريب ما زالت باللغة التركية اضطلع بترجمتها الى العربية وما يتم تداوله اليوم من ايعازات (يس.. يم.. الى الأمام سر.. اليمن در.. وغيرها) كان بفضل ما ترجمه نوري ثابت من التركية الى العربية، وكانت الأناشيد التي تُنشد في الدار وفي بعض مدارس بغداد باللغة التركية ويوم تنادى الشعراء لنظم الأناشيد العربية كالشاعر الرصافي إنبرى نوري لتلحين بعضها مستفيداً من المامه بالموسيقى ومعرفته بالعزف على العود والكمان، ولم يقتصر نشاطه على ذلك بل تعداه الى كتابة المسرحيات الساخرة والمشاركة في تمثيلها على أن مهمات الاخراج والماكياج والديكور - على بساطتها- كانت بعهدته ايضاً وقد أدت الأنتقادات اللاذعة في مسرحياته للسلطة آنذاك الى نقله الى الاعدادية المركزية مدرساً ثم مبعداً الى كركوك كمدير متوسطة فيها، وعندما أثيرت مشكلة الموصل وكان زوج أخته عبد العزيز القصاب متصرفاً لها توجه نوري ثابت من بغداد الى الموصل وأخذ ينبه أهلها وشبابها الى خطورة دعوى تركيا ونشط في حشد التظاهرات كما ألف عدة تمثيليات قدمها في مدارس الموصل ومثل فيها وعندما نظم شاعر الموصل اسماعيل حقي فرج مدرس اللغة العربية في متوسطة الموصل نشيداً مطلعه:
لستِ يا موصل إلاّ
دار عزٍ وكرامة
قام نوري بتلحينه وأخذ المتظاهرون والطلاب بانشاده وترديده.
أسماؤه المستعارة:
استخدم نوري ثابت عدة اسماء مستعارة خوفاً من بطش السلطة آنذاك حيث كانت تحرم على الموظفين الكتابة في الصحف والمجلات لتضمن لنفسها تجميد الطبقة المتعلمة والمثقفة وشلها عن نشر الوعي أو فضح اساليبها في الحكم، ولقد استخدم الاسم المستعار(خجه خان) في جريدة (الكرخ) التي اصدرها ملاّ عبود الكرخي عام 1927 وكانت كتاباته فيها مجاناً كما استخدم الاسم المستعار( جدوع بن دوخة) و(خادمكم المعلوم) و(أ. حبزبز) الذي تطور فيما بعد ليصبح (أ. حبزبوز).
نجاته من الموت:
تعرض نوري ثابت للموت لمرات عديدة نجا منها كلها:
1. واجه الموت عام 1904 عندما غرق في نهر دجلة عندما كان يسبح في شريعة (المربعة) واستطاع أخوه ناجي أن ينقذه بصعوبة.
2. في عام 1906 سقط من ظهر الجمل في (الاحساء) ومرت الجمال بالقرب منه ولم تطأه ونجا بأعجوبة.
3. أصيب في معارك (جناق قلعة) في الحرب العالمية الأولى برصاصة في يده اليمنى استقرت فيها حتى عام 1924 عندما أجريت له جراحة لاخراجها.
4. أصيب برصاصة ايضاً في معارك القفقاس.
5. وفي معركة أخرى اصيب بطعنة(حربة) حيث أخطأت بطنه وجرحته في فخذه.
6. وفي استانبول سقط من ظهر الحصان فكسرت يده.
7. وفي أيلول عام 1931 وقبل أن تصدر جريدته حبزبوز بأيام نجا بأعجوبة من محاولة اغتيال بينما كان يحتسي الخمرة في أوتيل (ما شاء الله) في شاع الرشيد- الحيدر خانة اذ جاءه أحد (شقاوات) بغداد آنذاك وكان نوري السعيد قد اغراه بقتل حبزبو فأطلق عليه الرصاص فأخطأه واستطاع نوري ثابت الهرب من (الأوتيل) فلحق به في الشارع وظل يمطره بالرصاص فأخطأه أيضاً واثناء ذلك كان أحدهم جالساً عند الحلاق (محمود نديم) بجوار (الأوتيل) فترك الكرسي ومدّ رأسه من باب الدكان ليرى ما حدث فأصابته رصاصة قتلته في الحال.وبعد هذا الحادث نشرحبزبوز مقالاً بعنوان (على عيون عزرائيل) تحدث فيه عن المرات التي تعرض فيها للموت وعرّض بنوري السعيد في المقال أيضاً.
علاقته بروفائيل بطي:
كان روفائيل بطي قد نشر مقالاً في جريدته البلاد عام 1936 يحيي فيه جريدة حبزبوز لمناسبة مرور خمس سنوات على صدورها جاء فيه:“ دخلت الزميلة الخفيفة الروح جريدة حبزبوز الهزلية الأسبوعية في سنتها الخامسة، ومن العجيب ان لا تستطيع جريدة البلاد أن تقول كلمة اطراء في حبزبوز الكاتب الهزال اللبق حيث ولد هذا الكاتب الذكي وترعرع في جريدة البلاد فسجلت له مجلدات السنة الأولى منها إسماً ذهبياً في النقد السياسي البارع والاصلاح الاجتماعي القومي، ولا تجوز شهاة الاطراء في أحد الأنسباء.”.فكتب نوري ثابت يردّ عليه في العدد (202) السنة الخامسة الصادر في 1936/1/21 قائلاً:“ هذه هي الكلمة الشريفة المتواضعة التي أهداها إيانا الأستاذ روفائيل بطي لمناسبة دخولنا السنة الخامسة فوددنا أن نذكر للقراء شيئاً من تاريخ حبزبوز لأن حضرة الأستاذ تعرض للتاريخ بقوله: “حيث ولد هذا الكاتب في جريدة البلاد”.إجتمعت والأستاذ روفائيل بطي قبيل صدور جريدة البلاد في مجلس الأستاذ الرصافي وكنت حينذاك موظفاً في وزارة المعارف ولكن هذه الوظيفة كانت لا تمنعني من كتابة بعض المواضيع الهزلية بأسماء مستعارة مثل: ( جدوع بن دوخة) و(خادمكم المعلوم) وغير ذلك . فقال الأستاذ رفائيل بطي:
- أنا راح أصدر جريدة بأسم “البلاد”
- موفق إن شاء الله.
- ولكنني أريد معاونتك.
- مثل ايش؟
- مقالات هزلية تحت عنوان “هزل وتفكه”
- ممنون.. ولكن أنا لا أكتب “ببلاش”.
- يعني تريد فلوس.
- طبعاً وذلك لا لأني مفلس وإنما أريد أن أعطي درساً للكتّاب العراقيين في أن الكاتب لا يتعب قلمه “ببلاش”.
- أنا حاضر.
- اشكرك وأنا حاضر
وهكذا إتفقت مع الأستاذ، فصدرت جريدة البلاد وهي تحمل مقالاً هزلياً في باب “هزل وتفكه” وكان عنوانه “كل شيء بحسابه” واخترت له إسماً مستعاراً “أ. حبزبز” أخذته من المرحوم “أحمد حبزبز” أحد الفكهين المشهورين ببغداد، وابتدأت بالكتابة اعتباراً من العدد الأول الذي صدر من جريدة البلاد ببغداد يوم 25 تشرين الأول سنة 1929”.وفي مقاله هذا أراد نوري ثابت أن يقول لأنه لم يولد ككاتب في جريدة البلاد ولا في اية جريدة أخرى فهو يكتب التمثيليات الهازلة والساخة وعندما وصلت مقالاته الى الصحف التي كانت تصدر آنذاك عام 1925 كانت شهرة نوري ثابت ككاتب واسعة كما كتب في جريدة الكرخ عام 1927 وهذا يعني أنه ولد ككاتب صحفي قبل ولادة جريدته البلاد باكثر من اربع سنوات وككاتب تمثيليات ساخرة باكثر من سبع سنوات ولكن يمكن أن يُقال أن نوري ثابت احترف الكتابة وأخذ يتقاضى راتباً عما يكتبه في جريدة البلاد حيث أنه كان يكتب في جريدة الكرخ لصاحبها الملاّ عبود الكرخي مجاناً.
علاقته بالجواهري:
كان الجواهري موظفاً في البلاط فاعتاض من الوظيفة باصدار جريدة أسماها (الفرات) ويبدو أنه هادن نوري السعيد وسياسته آنذاك فتصدى له المعارضون وفي مقدمتهم نوري ثابت والملاّ عبود الكرخي حتى أن الملاّ عبود نظم قصيدة شعبية هجا فيها الجواهري يقول فيها:
كاسر الاكرع ودافن
وانت هم دافن وكاسر
فثارت ثائرة الجواهري وكتب مقالاً في العدد(19) من جريدته (الفرات) الصادر في الثاني من حزيران عام 1930 تحت عنوان “ اذا كنت كذوباً فكن ذكورا” شتم فيه نوري ثابت شتماً مقذعاً ولام وزارة المعارف على ابقائها نوري ثابت كواحد من مدرسيها ومربيها وكان نوري يومها مدرساً وقد جاء في المقال:“ في هذا البلد زمرة من الناس اتخذوا الصحافة وسيلة لنهش الأعراض واثارة الحفائظ والاحقاد”.وقال عن وزارة المعارف فيه:” إنها ليست وزارة معارف بل هي وزارة (الحباززه والقزامزه)”.فغضب وزير المعارف وكان وقتها عبد الحسين الجلبي فأقام الدعوى على الجواهري، ويوم نظم الجواهري قصيدة حيّا فيها مزاحم الباچه چي مطلعها:
كيفما صورتها فلتكنِ
أنا عن تصويرة الناس غني
قام نوري ثابت وكان ينشر في جريدة الكرخ باسم (خجه خان)يحشد جماعة من الشعراء الفكهين فأعانوه على معارضة قصيدة الجواهري هذه بقصيدة جاء فيها:
كيفما صورتها فلتكنِ
إنها طبخة طاهٍ أرعنِ
غاية الشعر لديكم أكلة
فألفح (التشريب) ملء (اللگنِ)
إترك (الباچة) لا تلهج بها
ليست (الباچة) مثل (التمّنِ)
ويشير بالباچه الى (مزاحم الباچه چي) وبالتمّن الى (جعفر أبو التمّن)
ثم تختم القصيدة بتبرئة نوري ثابت من المشاركة في نظمها:
أشهد الله تعالى إنني
(لست من قيسٍ ولا قيس مني)
حيث كان نوري ثابت قيسياً، فثارت ثائرة الجواهري وأقام الدعوة على الملاّ عبود الكرخي، وعندما صدرت جريدة حبزبوز قام نوري ثابت بنشر القصيدة في أحد اعداد السنة الأولى مذيلة بأسم مستعار هو(مدغدغ) وظلت العلاقة بين الجواهري وحبزبوز متوترة لم تتحسن فيما بعد حتى وفاته.
أنواطه وأوسمته:
حاز نوري ثابت على أربعة أوسمة اثناء حياته العسكرية في الجيش العثماني:
1. وسام حرب ميداليه سي لاشتراكه في حروب جناق قلعة.
2. وسام لياقت ميداليه سي لأنه جرح مرتين.
3. وسام بشنجي رتبة مجيدي لتأليفه كتاباً عن الرشاشات الروسية.
4. وسام الصليب الحديدي الألماني لقيامه بالترجمة من الفرنسية اى التركية وبالعكس.
وصيته وتركته:
يروى أن نوري ثابت قد أوصى وهو على فراش الموت قائلاً:“ وصيتي الى وهيب المصطاف (عديله) كل ما عندي خمسة وثلاثون ديناراً، ثلاثون منها الشكيب ابن أخي وخمسة دنانير الى خيرية (مربيته)”.وقد قال الوصية أمام جمع من عائلته ولم يكتبها وقد أخذت عائلته بوصيته ونفذتها، بعدها أسلم الروح ميتاً على فراشه بعد أن عانى من مرض السل الذي انتقل اليه عن طريق زوجته الأولى التي توفيت هي الأخرى قبله، وذهب الى جوار ربه في يوم الأربعاء الثاني عشر من تشرين الأول عام 1938 ودفن في الزاوية اليسرى من مؤخرة جامع بني سعيد.وكانت جريدته (حبزبوز) قد توقفت عن الصدور قبل وفاته بفترة قصيرة حيث أقعده المرض ومنعه من الكتابة.نقول: رحم الله نوري ثابت الصحفي اللامع والانسان الرائع والوطني الصميم في ذكرى رحيله السبعين.