لا يمكن التوغل عميقاً في حياة الكاتب الساخر جورج برناردشو مالم تحصل على مصادر كثيرة عنه فحياة هذا الكاتب مليئة بالتفاصيل وتحتاج وقفات تامل طويلة لاستشفاف الاهم من تلك التفاصيل ، فهو ومن خلال كتاباته وسرعة بديهته في اطلاق النكتة والرد على منتقديه بعبارات لاذعة اصبح شخصاً يخشاه اغلب السياسيين في العالم ، كما ان مواقفه من القضايا الدولية ودفاعه المستميت عن الفقراء والمظلومين جعلت منه بطلاً عالمياً ، اضافة الى ان موقفه المقترب من الدين الاسلامي ودفاعه عن شخصية الرسول محمد ( ص ) جعلت المسلمين يحترمون شخصيته ويتابعون كتاباته ومسرحياته التي تعرض في العالم اجمع . وفي هذه السطور وضمن البرنامج والمنهج الذي اختطه (المتفرج) سنسلط الضوء على بعض تفاصيل وحياة هذا الكاتب الكبير :
المتمرد
ولد الكاتب جورج برناردشو في ايرلندا وتحديداً في العاصمة دبلن عام 1856 من طبقة متوسطة واضطر الى ترك المدرسة وهو في الخامسة عشرة من عمره ليعمل موظفاً. كان والده سكيراً مدمناً على الكحول مما شكل لديه ردة فعل ضد الخمر طوال حياته ، كما كان نباتياً لا يقرب اللحم الأمر الذي كان له أثراً في طول عمره وصحته الدائمة. تركت أمه المنزل مغادرة إلى لندن مع ابنتيها ولحق بهم شو سنة 1876 ولم يعد الى ايرلندا الا بعد ما من يقرب ثلاثين عاماً , ورث من والديه الظرف والسخرية وكذلك ورث منهما المواقف المؤلمة والجهر بالرأي وعدم المبالاة بمخالفة المألوف والتمرد على التقاليد السائدة..ورغم تركه للمدرسة مبكراً إلا أنه استمر بالقراءة وتعلّم اللاتينية والاغريقية والفرنسية وكان بذلك مثل شكسبير الذي غادر المدرسة وهو طفل ليساعد والده، ولم يثنه عدم التعلم في المدارس عن اكتساب المعرفة والتعلّم الذاتي. فالمدارس برأي برناردشو " ليست سوى سجون ومعتقلات". وأول نجاحاته كانت في النقد الموسيقي والأدبي ، ولكنه انتقل إلى المسرح، وألّف مايزيد عن ستين مسرحية خلال سني مهنته. وتحتوي اعماله على رشّة كوميديا ، لكنها تحمل رسائل اتهامات أمِل برنارد أن يحتضنها جمهوره. كان أحد مفكري ومؤسسي الإشتراكية الفابية ، وكانت تشغله نظرية التطور والوصول إلى السوبر مان وفكريا كان من الملحدين المتسامحين مع الأديان . ويعد جورج برناردشو أحد أشهر الكتاب المسرحيين في العالم. هو الوحيد الذي حاز على جائزة نوبل في الأدب للعام 1925 وجائزة الأوسكار لأحسن سيناريو عن سيناريو (بيجماليون) في العام 1938. وكانت حياته في بدايتها نضالاً ضد الفقر، فقد جعل من مكافحة الفقر هدفاً رئيسياً لكل ما يكتب وكان يرى أن الفقر مصدر لكل الآثام والشرور كالسرقة والإدمان والانحراف ، وأن الفقر معناه الضّعف والجهل والمرض والقمع والنفاق ، ويظهر ذلك جلياً في مسرحيته (الرائد باربرا ) التي يتناول فيها موضوع الفقر والرأسمالية ونفاق الجمعيات الخيرية وقد عاش برناردشو حياة فقيرة وبائسة أيام شبابه وعندما أصبح غنياً لم يكن بحاجة لجائزة نوبل التي فاز بها التي تُمنح أحياناً لمن لا يستحقها ولذلك تبرع بها لجهة خيرية..
رفضه لاستلام جائزة نوبل
تردد جورج برنارد شو كثيرا في قبول -جائزة نوبل حين عرضت عليه عام 1925، ولكنه قبلها لاحقا وقال عنها عبارات شهيرة مازال الناس يتذكرها حين قال : " إن وطني إيرلندا سيقبل هذه الجائزة بسرور، ولكنني لا أستطيع قبول قيمتها المادية ، إن هذا طوق نجاة يلقى به إلى رجل وصل فعلا إلى بر الأمان، ولم يعد عليه من خطر" ، كما انه سخر من نوبل مؤسس الجائزة الذي جمع ثروته الكبيرة بسبب اختراعه للديناميت إذ يقول : "إنني أغفر لنوبل أنه اخترع الديناميت ولكنني لا أغفر له أنه أنشأ جائزة نوبل" ، وقد تبرع بقيمة الجائزة لتأسيس مؤسسة تشجع نشر أعمال كبار مؤلفي بلاد الشمال إلى اللغة الإنكليزية.
ابرز أعماله
ظل برنارد شو يكتب للمسرح لفترة تجاوزت 46 سنة ، وقد بلغ عدد المسرحيات التي هي ما بين مسرحية طويلة ومتوسطة ، على الخمسين مسرحية ، وقد أخرج عددا كبيرا من هذه المسرحيات أثناء حياته في عواصم بلدان أوروبا وأمريكا ومن أشهر مسرحياته:
* بيوت الأرامل
* مسرحية الاسلحة والإنسان
* مسرحية جان أوف أرك
* مسرحية الإنسان والسوبرمان
* مسرحية بيجماليون (وهى المسرحية التي نالت جائزة نوبل)
* كانديدا
* الرائد باربرا
* بيت القلب الكسير
ثقافته
بعد مغادرته إلى لندن بدأ جورج برناردشو يتردد على المتحف البريطاني لتثقيف نفسه الأمر الذي كان له الفضل الكبير في أصالة فكره واستقلاليته. بدأت مسيرته الأدبية في لندن حيث كتب خمس روايات لم تلق نجاحاً كبيراً وهي:(عدم النضج) و(العقدة اللاعقلانية) و(الحب بين الفنانين) و (مهنة كاشل بايرون) و(الاشتراكي) و (اللااشتراكي ) لكنه اشتهِر فيما بعد كناقد موسيقي في أحد الصحف. ثم انخرط في العمل السياسي وبدأ نشاطه في مجال الحركة الاشتراكية الاجتماعي وانضم الى الجمعية الفابيّة (وهي جمعية انكليزية سعى أعضاؤها إلى نشر المبادئ الاشتراكية بالوسائل السلمية ) ، كان شو معجباً بالشاعر والكاتب المسرحي النروجي هنريك إبسن الذي يعتبر من أعظم الكتاب المسرحيين في كل العصور. وكان السبّاق في استخدام المسرح لمعالجة القضايا الاجتماعية ، فكان تأثير إبسن واضحاً على شو في بداياته..
مواقفه السياسية
وظلّت مواقفه إلى آخر عمره، كما كانت في بدايتها، فهو الذي رفض أن يزور الولايات المتحدة الأمريكية حتى لا يرى سخرية القدر بوجود تمثال للحرية في بلدٍ يمتهن الإنسان أينما كان .. ذلك البلد - أمريكا- الذي انتقل من البدائية إلى الانحلال دون أن يعرف الحضارة..وفي سخريته من استعباد الانكليز للتقاليد يقول: لن يكون الإنجليز أمّة عبيد، إنهم أحرار في أن يصنعوا ما تسمح لهم به الحكومة والرأي العام" وقال عن العاطلين عن العمل وعن إسعاد الآخرين: لاحقَّ لنا باستهلاك السعادة بغير إنتاجها إلاّ كحقنّنا باستهلاك الثروة بغير إنتاج " ,وفي احد الايام قال له ( تشرشل ) وكان ضخم الجثة : أن من يراك يا أخي برنارد وكان نحيل الجسم جدا يظن أن بلادنا تعاني أزمة اقتصادية حادة ، وأزمة جوع خانقة. أجابه برنارد شو على الفور : " ومن يراك أنت يا صاحبي يدرك سبب الازمة والمجاعة..
مواقفه الساخرة
يُذكر أن إحدى السيدات الأرستقراطيات سألت برناردشو "كم تقدر عمري؟" فنظر اليها برناردشو واستغرق في التفكير، ثم قال اذا أخذت في اعتباري أسنانك الناصعة البياض والتي تتلألأ في فمك فسيكون عمرك 18 عاماً ، واذا أخذت في اعتباري لون شعرك الكستنائي فيمكن تقدير عمرك بـ 19 عاما ، أما لو أخذت في اعتباري سلوكك فسيكون عمرك 20 عاما فقالت بعد أن أطربها ما سمعت : "شكرا علي رأيك اللطيف ولكن قل بصدق كم تعتقد أني أبلغ من العمر؟" فأجابها على الفور: "اجمعي 18 20 19 وستحصلين علي عمرك وقبل اسبوعين من احتفال برناردشو بعيد ميلاده الثالث والتسعين كتب إليه مدير احدى الشركات السينمائية الجديدة راجيا فيه أن يأذن له بإخراج احدى رواياته لقاء اجر زهيد ، معتذرا بأن الشركة ما زالت ناشئة ولا تستطيع دفع مبلغ كبير له فرد عليه شو قائلا: " أستطيع أن أنتظر حتى تكبر الشركة " ويوماً دعي جورج برنارد شو إلى حفلة ، وانزوى مع شابة جميلة في مكان ما يتحدثان فيه ، وبعد انقضاء ساعة ظل يتحدث خلالها مادحاً في نفسه وفي عمله التفت إلى الشابة وقال : " لقد أطلنا الحديث عني ، وجاء دورك لتحدثيني عن نفسك ما رأيك بمسرحيتي الأخيرة ؟ "وذات يوم قالت له امرأة رائعة الجمال : " يعتبرك الناس أذكى البشر ويعتبرونني أجمل النساء ، فلو تزوجنا لجاء أولادنا أجمل الأولاد وأذكاهم " فابتسم برنارد شو وقال : " لكني أخشى يا سيدتي أن يأتي أولادنا على شاكلة أبيهم بالجمال ، وعلى شاكلة أمهم بالذكاء ، وهنا تكون المصيبة الكبرى ."توجه جورج برنارد شو الى إحدى المكتبات التي تبيع كتباً مستعملة بثمن بخس، فوقع نظره على كتاب يحوي بعض مسرحياته القديمة, ولما فتحه هاله أن يرى أن هذه النسخة كان قد أهداها إلى صديق له وكتب عليها بخط يده: "إلى من قدّر الكلمة الحرة حق قدرها، إلى الصديق العزيز مع أحر تحيات برنار شو". اشترى برنارد شو هذه النسخة من البائع وكتب تحت الإهداء الأول: "جورج برنارد شو يجدد تحياته الحارة إلى الصديق العزيز الذي يقدّر الكلمة حق قدرها" وأرسل النسخة بالبريد المضمون إلى ذلك الصديق. وسألت يوماً سيدة حسناء برنارد شو ما هو الفرق بين المتفائل والمتشائم فأجابها: "المتشائم يحكم علي من خلال سحنتي ، والمتفائل يحكم علي من خلال أدبي الفكه. المتشائم ينظر إلى كعب حذائك والمتفائل ينظر إلى وجهك الجذاب.