مــــن صحـــافة أيـــام زمـــان .. جريدة أبو الشمقمق الساخرة
صدرت جريدة “ أبو الشمقمق” في الخامس من ايار عام 1939. اصدرها صاحبها ومحررها(حسين النجاتي) وكان مديرها المسؤول الدكتور يوسف عبد الأحد. وكانت “ أبو الشمقمق”واحدة من الصحف الساخرة الهزلية الأدبية الانتقادية. صدرت بثماني صفحات وكانت ترويستها تُطبع باللون الأحمر. وقد تميزت بوجود رسمين للشاعر العباسي “ أبو الشمقمق” على جانبي اسم الجريدة. يقول صاحبها عن سبب اصداره هذه الجريدة:” إن سبب اصدارها ميل ونزعة نفسية تولتني منذ الصغر عندما كنت طالباً.. وما الجرائد القومية الاّ قوة قهارة مصدرها الشعور العام الذي لا تقف أمامه أية قوة غالبة أخرى. وهذا ما وطد العزم على اصدار جريدة يكون لها في نفوس القراء مكانة تبنيها بمبادئ صحيحة..”
. ويوضح سبب جعل هذه الصحيفة أدبية هزلية انتقادية قائلاً:لما في الأدب والهزل والانتقاد من تأثير فعال في الآراء والنفوس وكما انها في الوقت نفسه تعدّ هذه المظاهر النفسية من احدى مميزات خلقنا العام..”.وعن خطة الجريدة وسياستها، يشير صاحبها في افتتاحيتها:” لقد أخذنا على أنفسنا عهداً أن نقوم بتدوين الآيات المبينة في الأدب والهزل التي من شأنها اظهار الميول والنزعات الخلقية الى حلبة الميدان الأدبي العام الذي به تتطاول النفوس وتشرأب الأعناق الى ما يأتيه من حكم بالغة وموعظات حسنة ونوادر خلابة...إننا سنحاول مهما أوتينا من بيان وقوة وبلاغة أن نظهر الهزل بثبوت الجد والجد بثوب الهزل. وان نعتتني بالهزل السياسي اعتناؤنا بغيره لننبه الافكار الى ما يحترسه هذا النوع في النفوس من التاثير . وسنحاول ايضاً تسطير ما يتفوه بهِ عظماؤنا السياسيون والأدباء من النوادر الأدبية والهزلية علنا بذلك أن نكون قد قمنا بشيء يوجب الترسيم لأن يكون طريقة تُقتدى أو منهجاً جديداً يسلك..”.أما عن تسميتها بهذا الاسم فيذكر صاحبها سبب ذلك قائلاً:“ وقد اتخذنا عنوان لجريدتنا “ أبو الشمقمق” وهو أحد الشعراء المبرزين الذين لهم يد طولى في النهضة الشعرية الأدبية والهزلية التي حدثت في أوائل العصر العباسي الأول..”.إهتمت جريدة “ أبو الشمقمق” بالموضوعات السياسية من خلال متابعتها لما يصدر من خطب سياسية وأحداث هامة وقرارات أو تعليمات حكومية. كما إعتنت بالجانب الاجتماعي الذي ظهر من خلال المقالات الاجتماعية والنقد الذي عالجت به الظواهر السلبية في المجتمع.وكانت الموضوعات الثقافية جزءًا من اهتماماتها إذ نشرت المقالات الثقافية والموضوعات المعرفية العامة. وكان من بين موضوعاتها التعليقات الساخرة الناقدة التي تميزت بها، وعالجت من خلالها القضايا الاقتصادية التي تتعلق بارتفاع الأسعار وأثرها في حياة الناس.ومن بين الأبواب التي إحتوت عليها، “بريد المدارس”، “ من خلال نظارتي”، ومن الزوايا التي ضمتها، زاوية “ لا تصدق”، “كلمة ونصف” وغيرها.وقد ظهرت جريدة “ أبو الشمقمق”، الاعلان الصحفي الذي تميز بأسلوب مغاير وجديد إذ نشر على شكل محاورة وهو ما لم يكن مألوفاً وقتذاك.وكانت حصة الأخبار واضحة في الجريدة ولم تتعد اخبارها سفر وقدوم بعض الشخصيات السياسية والاجتماعية.أما من الناحية الاخراجية. فقد قسمت الصفحة فيها الى عمودين وكان اخراجها تقليدياً مشابهاً لصحف تلك الفترة واعتمادها على أسلوب التناظر في الاخراج من دون ادخال أسلوب فني جديد.ولعل ما يميز الجريدة ظهور اللون الأحمر في ترويستها، في حين ظهرت بقية الصفحات الداخلية باللونين الأبيض والأسود. وضمت الجريدة الصور الفوتوغرافية والرسوم التخطيطية، ولم تعرف الرسوم الكاريكاتيرية. وكانت طباعتها بشكل عام طباعة بدائية رديئة. ولم تعتن الجريدة بنشر أسماء كتابها باستثناء اسم رئيس تحريرها وصاحبها واسم مستعار “شمقمقي”.
مداعبات أبو الشمقمق:
لم تترك جريدة “ أبو الشمقمق” قضية الا وتناولتها بلسان النقد والسخرية ولعل الحالة الاقتصادية التي عاشتها البلاد كانت موضع كتاباتها.فقد سخرت الجريدة من ارتفاع الأسعار للمواد الغذائية وقالت متسائلة:” ماذا تصنع اذا ارتفعت اسعار المواد الغذائية؟..ثم أجابت بالقول..” لقد ارتفعت في الأيام الأخيرة اسعار المواد الغذائية فأصبح طعام العائلة يكلف مصاريف باهظة، هذا لو تمكنت اقتصادها. وأحسن شيء يمكنك أن تعمل لانقاذ عائلتك من حراجة الموقف هو أن تنقل عائلتك بأجمعها في وقت تناول الغذاء الى أقرب مطعم من داركم”.وتوعدت “ أبو الشمقمق” في زاوية” استراق السمع” أصحاب الأفكار الفاسدة والأسرار الخبيثة أن يكفوا عن سلوكهم المنحرف. وقطعت عهداً على نفسها بأن تفضح الأحاديث المعادية التي تدور في المجالس وتعرضها للجمهور حيث قالت:” فليحذر اصحاب الأسرار الخبيثة والآراء الفاسدة بأن الشيطان الشمقمقي في كل مكان وأنه لهم بالمرصاد وقد أخذنا على أنفسنا عهداً بأن لا نرى مجالس أو جماعات يتكلمون في غير صالح الوطن الا! وأرسلنا عليهم المارد الجبار ينقل الينا أحاديثهم التي نسطرها كعرض للجمهور على صفحات هذه الجريدة”.وفي مقال آخر بعنوان” الى ... الى...!”تحدثت الجريدة عن وصف التتار بقيادة تيمورلنك ثم عرجت على الذين يحاولون أن يعيثوا فساداً في البلاد من خلال بند التفرقة والشقاق ونبهت محذرة من هذا السلوك. قائلة:” … لذا فنحن نهمس بأذن من يريد العبث او تحدثه نفسه بارتكاب تلك الأهوال لايجاد الاضطرابات وبث السم في الدسم لشلّ حركة الاصلاح التي لم يخف عليها ما يقوم به المشاغبون وان أسود الحكم يراقبون الوضع بعناية شاملة قد لا تعطي لمن لا يريد تقدم البلاد قياداً. فليعلم الذين خبثوا أنهم لبالمرصاد”.