( ما رأيناه وسمعناه عن اساليب الدعاية الانتخابية الامريكية اخيرا ، تجعلنا نترقب من جهة معاكسة سجالات مرشحينا في الانتخابات في الدول العربية او في العراق ، والتي تبدو اكثر حضارية من الدعاية الامريكية ، ولكن تلك الحضارية عندنا تبدو اجبارية لان ملفات الكثير من المرشحين ستكون
محفوظة ، وبامكان اي مرشح فتحها في اي وقت ضد الاخر ، وهكذا دواليك ، فيظهر الغاطس ، الذي لايحبذ اظهاره المرشحون انفسهم على بعضهم ، وبالمعنى المصري الشعبي ( سيب وانا اسيب ) .. ، ولكن في الانتخابات الامريكية لا يوجد مثل هذا المعنى ، فاجهزة الاعلام تتنافس على كشف المخفي والمستور ، ولو وصل الامر الى اتهام اوباما بان احدى قريباتهمثلا تقيم اقامة غير شرعية في امريكا .
احيانا يكون الصمت عن بعض الاخطاء او اكثرها ، ذا صبغة حضارية تشير الى ترفع المرشحين ، ولكن في الحقيقة ، فان الجميع ( في الهوا سوا ) ، و( من كان منكم بلا خطيئة فليرجمها بحجر ) ، فان المتنافسين على مقاعد مجالس المحافظات مثلا لايكشف بعضهم بعضا ، فقد يحتاج الخاسر يوما الى الفائز ، في تمشية معاملة ، او تعيين قريب ، او الحصول على مقاولة وما اشبه ذلك .
ولكن في امريكا تتنافس الصحف في البحث الدقيق عن شخصية المرشح ، فيما في دولنا العربية والعراق مثلا ، تتنافس الصحف للحصول على اعلان بمبلغ ما للمرشح الفلاني فتمجده حتى يصدق الرجل نفسه انه الوحيد الاوحد .
في كل دول العالم تكون مواسم الانتخابات هي مواسم جني الثمار بالنسبة للصحافة والاعلام ، ولكن بطرق مختلفة ، فالصحف الامريكية تحاول ان تزيد مبيعاتها ، في مثل هذه المناسبات ، وكسب ثقة الجمهور بما تقدمه من حقائق ، ورفع نسبة صدق التوقعات والتأثير في مستوى القرار السياسي ، وتغيير قناعات الناس ، من الضد الى الضد ، وهي لا تبالي حتى لو خسرت مع مرشح ما كانت قد تبنته ، ولكنها في النتيجة كانت تمارس مهنيتها .
اما في الصفحة الثانية في الدول العربية والعراق مثلا ، فان الصحف التي تقتنع بان المرشح الفلاني لا يساوي شيئا وان فوزه من المستحيل ، ولو انطبقت السماء على الارض ، وان وجوده يمثل ضررا كبيرا للبلاد ، فانها على استعداد لان تخالف قناعاتها هي قبل اي شخص اخر ، وتحاول ان تسوق حتى ما يخالف الشرع والقانون والاخلاق والمهنية .
وبالمناسبة فان الصحف والوسائل الاعلامية رغم قيامها بكل ذلك المخالف غير المقبول فانها لا تربح من ذلك سوى فتات ما يمنحه لها الذي يحلمون بالمناصب ، ليس لانهم في حاجة لتلك الفتات ، بل لانهم تعودوا ان تزوير الحقائق بعض مهمتهم ، فهم لا يبالون سقطوا او اسقطوا من معهم ، فالمهم تبادل الكذب ، لا تبادل المنفعة .
رغم كل ما قيل او سيقال عن الدعاية الانتخابية الامريكية ، الا انها تعلم الناس درسا في فن الصحافة والدعاية واساليب التأثير ، والقدرة على تغيير الاتجاهات في المفاهيم الاعلامية الحديثة .
ولكن في جانبنا فانها تعلم درسا في التراجع عن المهنة ، والتحول من القيمة العليا للصحافة الى السفلى في التعامل مع الموضوعة ذات الاهمية للمواطن ، وليس في الامر عجب ، فمعظم المؤسسسات الاعلامية وبعض الصحف ووسائل الاعلام ، تم تاسيسها باموال غير شرعية ولاغراض غير شرعية ، ومن المنطق ان تعمل بطرق واخلاق غير شرعية .